الصفحة 46 من 59

لحساب من يُحارَب الإسلام؟!

الحرب المحمومة التي تشن على الإسلام اليوم أوضح من أن يجادل فيها مجادل ..

حرب عالمية في كل مكان في الأرض .. في البوسنة والهرسك .. في طاجستان .. في الهند .. في كشمير .. في الفلبين .. في بورما .. في تركستان .. في فلسطين .. فضلا عما يجري في داخل العالم الإسلامي ذاته من ملاحقة للحركات الإسلامية وتشريد لأصحابها وسجن واعتقال وتعذيب ..

ولن نتعرض هنا إلا لعنصر واحد من هذه الحرب الشاملة التي تستخدم فيها كل الوسائل، ذلك هو الهجوم العلماني العنيف المتلاحق في وسائل الإعلام المختلفة من صحافة وإذاعة وتلفاز وندوات ومحاضرات وتصريحات ولقاءات ..

ونستثني من هذه الحملة الإعلامية ما كان موجها ضد"الإرهاب"فلا نتكلم عنه في هذا المجال، فقد يجد القائمون بالحملة ستارًا لحملتهم، فيقولون إنهم يحاربون الإرهاب ولا يحاربون الإسلام ..

إنما نتحدث فقط عن الحملات الموجهة ضد الإسلام ذاته، وبالذات ضد تحكيم الشريعة .. ونتساءل: لحساب مَنْ تشن تلك الحملات؟!

حين جاء الغزو الصليبي للعالم الإسلامي كان أول همٍّ له بعد استيلائه على أي بلد من بلاد المسلمين هو تنحية الشريعة.

ولا عجب في ذلك إذا أدركنا أنه غزو صليبي ..

ويجب أن نفرق ابتداء بين ما سمي"استعمارًا" [1] - أي الاحتلال العسكري لبلد من البلاد وإخضاعها للدولة الغازية - وبين ما جرى في البلاد الإسلامية خاصة، وهو شيء مختلف تماما، وإن أريدَ إيهامنا أنه كله من نوع واحد، وأنه كله داخل تحت عنوان"الاستعمار"وأن الهدف منه جميعا كان الاستغلال الاقتصادي للبلاد المغلوبة على أمرها، وليس وراء ذلك هدف آخر!

كلا .. ليسا نوعًا واحدًا، وإن كان الاستغلال الاقتصادي من الأهداف الرئيسية في كلا النوعين ..

ففي البلاد غير الإسلامية التي أغار عليها"الاستعمار"لم يتعرض الاستعمار لعقائد أهلها ولا عاداتهم. لم يتعرض للهندوكية في الهند، ولا البوذية في جنوب شرق آسيا، ولا للوثنية في أفريقيا ..

أما في البلاد الإسلامية فكان الأمر على خلاف ذلك .. كانت هناك حرب شرسة ضد الإسلام، توجهت أول ما توجهت إلى تنحية الشريعة الإسلامية، وفرض القانون الوضعي بالحديد والنار، ثم توجهت إلى معاهد التعليم الإسلامي لإغلاقها او قهرها على تغيير برامجها الدينية، ثم توجهت إلى محاولة تغيير عادات الناس وتقاليدهم بشتى الوسائل التي استخدمها"الغزو الفكري"في مناهج التعليم ووسائل الإعلام .. وقامت مدارس التنصير بدورها في تلك الحرب الشرسة على مبدئهم الشهير:"بطيء ولكنه أكيد المفعول" [2]

لماذا كان ذلك الفارق بين"الاستعمار"في البلاد غير الإسلامية، وبين"الغزو الصليبي"في بلاد الإسلام؟

الفارق أنه لا عداء بينهم وبين الوثنية بأشكالها المختلفة، هندوكية أو بوذية أو إفريقية، بينما العداء قائم بينهم وبين الإسلام:"وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ" [3]

(1) لا أدري من الذي بدأ استخدام كلمة"الاستعمار"ترجمة لكلمة Colonisation التي تعني الاحتلال ولكني أرجح أنهم ذات المترجمين الأرمن واللبنانيين الذين كان الغزو الصليبي يستخدمهم في البلاد الإسلامية، والذين ترجموا لفظة Secularism بالعلمانية للإيهام بأن لها صلة بالعلم!

(2) سنتكلم بشيء من التفصيل عن هذه الوسائل فيما يلي من الفصل.

(3) سورة البقرة [120] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت