الصفحة 47 من 59

والفارق أن العقائد الوثنية لا خوف منها على وجود المستعمر، ولكن خطر الإسلام كامن في عقيدته التي تحث المسلمين على الجهاد، وتمنعهم من الاستكانة إلى أعداء دينهم. وأن الإسلام ليس دينًا منفصلًا عن واقع الحياة يُمَارَسُ ساعة من النهار ثم تجري الحياة بعيدة عنه بقية اليوم .. إنما هو ضارب بجذوره في كل تفصيلات الحياة ودقائقها، فهو ما يفتأ يذكّر المسلمين في كل لحظة، وكل عمل، وكل شعور، وكل فكر، أن هؤلاء الغزاة ليسوا منهم، ولا يمكن أن يكونوا منهم في يوم من الأيام، إنما هم غزاة كفار يجب أن يُجْلَوْا من أرض الإسلام ..

والفارق أخيرًا أن الوثنيين قد يتقبلون النصرانية لأنهم لا يملكون عقيدة حقيقية يمكن أن تقف في وجهها. أما المسلمون الذين يشعرون أن عقيدتهم أسمى وأشمل وأصح فإنهم لن يقبلوا النصرانية، وسيقفون وقفة صلدة أمام محاولات التنصير ..

هل نعجب إذن من بدئهم حملتهم ضد الإسلام بتنحية الشريعة الإسلامية؟

إن كانوا يريدون تنصير المسلمين - وقد حاولوا ذلك في مبدإ الأمر حتى يئسوا [1] - فهل يمكن ذلك في وجود الشريعة التي تطبق حد الردة على المرتد الذي يبدل دينه [2] ؟

وإن كانوا يريدون نشر الفاحشة - وقد أرادوا ذلك وفعلوه [3] - فهل يمكن ذلك في وجود الشريعة التي تطبق حد الزنا؟

وإن كانوا يريدون نشر الخمر والتعالن بها - وقد أرادوا ذلك وفعلوه [4] - فهل يمكن ذلك في وجود الشريعة التي تطبق حد الخمر؟

وإن كانوا يريدون إغراء المرأة بخلع حجابها، وخروجها بعد ذلك سافرة، كاسية عارية، فضلا عن تجريدها من حيائها الفطري على الشواطئ التي تختلط فيها كتل اللحم العريان - وقد أرادوا ذلك وفعلوه - فهل يمكن أن يحدث ذلك في وجود الشريعة التي تعاقب على هذه الأمور كلها عقوبات رادعة؟

وإن كانوا يريدون إزالة الحاجز النفسي الذي يجعل المسلم يحس دائما بالاختلاف والتميز بينه وبين الغازي الصليبي، بحيث لا ينسجمان ولا يندمجان ولا تزول العداوة بينهما - وقد أرادوا ذلك وفعلوه - فهل يمكن ذلك إذا بقي للمسلم نظامه الخاص في التحاكم وفي التعامل، يفيء إليه مستعليا بإيمانه على من لا يدين بالدين الصحيح؟

من كل الجوانب إذن كان لا بد للغازي الصليبي أن يبدأ عمله - بعد استتباب أوضاعه العسكرية - بتنحية الشريعة الإسلامية عن الحكم ..

ولكن هذه الخطوة وحدها لم تكن لتكفي ..

فما الذي يمنع المسلمين من محاولة العودة إلى الشريعة، بعد أن تزول عنهم وهلة الهزيمة العسكرية، فيبدءوا الجهاد من جديد لإخراج الغازي الصليبي، وإعادة الشريعة إلى مكانها من الحكم، ومكانتها من القلوب؟!

لا بد من صرفهم - من داخل أنفسهم - عن تلك المحاولة الخطيرة .. التي يمكن أن تفسد كل مخطط الأعداء.

بل لا يكفي صرفهم فحسب .. فلربما يعودون!

لا بد من تنفيرهم من الشريعة بحيث لا يفكرون في العودة أبدا، ويحمدون ربهم - أو يحمدون شيطانهم - أنهم تخلصوا من تلك الشريعة إلى غير عودة ..

وذلك الذي خطط له الغزو الصليبي عن طريق"الغزو الفكري"بدءًا بمناهج التعليم، ومرورًا بوسائل الإعلام.

(1) سيأتي كلام الأب زويمر في هذا الشأن.

(2) قال - صلى الله عليه وسلم:"لايحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة"أخرجه الشيخان.

(3) وصل الأمر إلى فتح بيوت للدعارة الرسمية، وتنصيب الدولة"المسلمة!"راعيًا لها، وحارسًا عليها!

(4) أعطيت التصاريح الرسمية لفتح حانات الخمر، وكتب عليها"مشروبات روحية!"ترجمةً لكلمة Spiritual بمعنى كحولية! على نفس الطريقة التي أصبح الاحتلال بها"استعمارا"واللادينية"علمانية"!!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت