الصفحة 48 من 59

وضعت مناهج تعليمية"علمانية"بدلا من المناهج الدينية التي كانت تعلم الناس أن الإسلام هو الأصل في حياة المسلمين، وأنه من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ..

وحقيقة أن"التعليم الديني"الذي كان قائما يومئذ لم يكن هو الصورة الصحيحة للتعليم الديني كما ينبغي أن يكون، ولم يكن يخرّج المسلم الحق الذي يعرف حقيقة دينه ويمارسه على وعي وبصيرة، كما أنه كان خلوا من العلوم الكونية التي كانت تشكل جزءا أساسيا منه يوم كان المسلمون في الأندلس وغيرها من بلاد الإسلام هم المتعلمين حقًا في الأرض، وهم سادة الأرض ..

صحيح ذلك .. ولكن الغزو الصليبي الذي أغلق المعاهد الدينية أو جفف منابعها أو تركها قائمة ولكن شبه مهجورة، وحوّل مجرى التعليم بعيدا عنها كما فعل الاحتلال البريطاني في مصر تجاه الأزهر [1] ، لم يفعل ذلك من أجل تصحيح مسار التعليم وجعله أداة مفيدة للأمة تخرجها من تخلفها وضعفها إلى القوة والتقدم .. بل فعل ذلك بدافع من الحقد الصليبي، للقضاء على الصبغة الدينية التي تميز المسلمين، ودفع المسلمين دفعا في تيار التغريب الذي تَنْبَهِمُ فيه شخصيتهم ويؤدي بهم إلى الضياع وإن تعلموا من العلم بعض القشور ..

وفي تلك المناهج العلمانية لم يكن هناك مجال لللعلوم الشرعية، ولكن هناك حصة دين بائسة توضع في آخر الجدول المدرسي، والتلاميذ يتثاءبون من رغبة النعاس وإجهاد الدراسة اليوم بطوله، وينتظرون دق الجرس لينفلتوا من القيد، ويخرجوا إلى الطريق. ويندب لها من المدرسين أكبرهم سنا وأعجزهم عن النشاط والحركة وأدناهم إلى الفناء. والدرس ذاته عبارة عن نصوص تستظهر دون اهتمام بشرح معانيها وإحيائها في القلوب لتحريك الوجدان الديني في نفوس التلاميذ وربط قلوبهم بالله سبحانه وتعالى برباط متين .. ولن تكون نتيجة ذلك الدرس تعلق الضغار بدينهم، بل الأحرى تنفيرهم منه وإبعادهم عنه ..

وفي درس التاريخ الإسلامي بالذات جرعة أخرى من السم تبعد الدارسين عن الإسلام وتلوي أعناقهم إلى الغرب ثم تستعبدهم له .. فبعد دراسة البعثة المحمدية يختصر التاريخ الإسلامي إلى جانبه السياسي وحده - وهو الذي وقع فيه أشد الانحراف في حياة المسلمين - ويطمس على الجانب العقدي، والجانب الحضاري، والجانب العلمي، والجانب الاجتماعي، وكيف فتح المسلمون البلاد لا للاستغلال الاقتصادي أو شهوة الغلبة والفتح ولكن لنشر الدعوة وإزالة الجهالة وتحويل البلاد إلى الأخوّة الإيمانية والسماحة الدينية .. وكأن تاريخ المسلمين كله لم يكن إلا صراعات على الحكم وشهوة السلطان! فإذا فُرِّغَ التاريخ الإسلامي من محتواه المشرق الحي، وركز على انحرافات ذلك التاريخ وحدها، وُجِّه الطلاب إلى تاريخ أوربا .. فركِّز على التقدم العلمي والحضاري وعلى الديمقراطية وحقوق الإنسان، وطمس على الاستعمار وجرائمه البشعة، وإذلال الشعوب واستلاب خيراتها، وطمس على التحلل الخلقي والروح المادية الصلدة والفساد العقدي وتقطع روابط الأسرة والمجتمع .. فتكون نتيجة تلك الدراسة بذر بذور النفور من التاريخ الإسلامي، وعدم التعلق بأمجاده، وعدم الاعتزاز به، والتوجه في الوقت ذاته إلى الغرب والتعلق به ومحاولة اللحاق به، أو بالأحرى اللهاث وراءه ..

(1) اقرأ إن شئت فصل الغزو الفكري من كتاب"واقعنا المعاصر".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت