وحقيقة أن واقع المسلمين في الفترة التي جاء فيها الغزو الصليبي كانت سيئة غاية السوء في جميع المجالات، وأن حال أوربا الظاهر كان هو الغلبة والقوة والتقدم العلمي والمادي .. ولكن المنهج الذي كان يمكن أن يدرس به التاريخ - لو أن واضعه كان مسلمًا معتدًا بدينه، ملتزمًا بالحقيقة العلمية في الوقت ذاته أمانة لله - هو أن يعرض الحقيقة كاملة من جانبيها، الجانب الإسلامي والجانب الغربي، فيعرض صفحة الإسلام المشرقة وفي داخلها خط الانحراف في حجمه الحقيقي، وشتان بين هذا وبين إخفاء الوجه المشرق كله وإبراز خط الانحراف وحده كأنه هو التاريخ؛ ثم عرض الواقع الإسلامي المعاصر على حقيقته مع بيان أن السبب الأساسي في تدهور حال المسلمين هو بعدهم عن حقيقة الإسلام، وتحول الإسلام في حياتهم إلى تقاليد خاوية من الروح، وأداء آلي للشعائر التعبدية دون تطبيق للمعاني السامية للإسلام في كل المجالات، مع الانصراف عما أمر به الإسلام من عمارة الأرض وامتلاك أسباب القوة والحرص على العلم .. أما بالنسبة لأوربا فتعرض جملة الحقائق التاريخية التالية: أن أوربا عاشت فترة عشرة قرون كاملة في ظلمات"القرون الوسطى المظلمة"عندها بسبب فساد دينها وطغيان كنيستها، ثم لما احتكت بالمسلمين الذين كانوا في الفترة ذاتها في أوج تقدمهم وحضارتهم وتمكنهم في الأرض بسبب تمسكهم بدينهم الحق، بدأت أوربا تخرج من الظلام، وترجمت كتب العلوم الإسلامية فتعلمت، ثم تابعت تقدمها، فسيطرت وتمكنت بينما نسي المسلمون علومهم فتأخروا، ولكن أوربا حين ملكت القوة استخدمتها في إذلال الشعوب الضعيفة وقهرها ونهب خيراتها ولم تستخدمها في رفع مستوى الشعوب وترقيتها كما فعل المسلمون في وقت قوتهم، ولأنهم نبذوا الدين امتلأت حياتهم بالانحلال الخلقي والروح المادية الطاغية ..
ما أبعد تلك الصورة - التي كان يجب أن تكون محور تدريس التاريخ في المدارس - عن الصورة المقلوبة التي كان يدرس بها بالفعل، مع أن تلك الصورة هي التي تحمل أكبر قدر من"الحقائق التاريخية"والتفسير الصحيح للتاريخ، بينما الصورة التي كان يدرس بها بالفعل لم تشمل إلا بعض حقائق منتقاة بسوء قصد لإعطاء التأثير المسموم، كما ينقصها التفسير الصحيح لوقائع التاريخ، الذي يجعل للوقائع معنى تربويا يصحح بناء النفوس.
بل درّس في المدارس العلمانية ما هو أسوأ من ذلك!
درس للطلاب في درس الجغرافيا أن بلاد العالم الإسلامي متخلفة بسبب حرارة الجو التي تدعو إلى الكسل والخمول بينما الجو البارد في أوربا يبعث على النشاط والحركة. ومتخلفة لأنها زراعية لا يوجد فيها فحم ولا حديد، بينما أوربا متقدمة لوجود الصناعة فيها بسبب وجود الفحم والحديد! ومؤدى ذلك أن التخلف لعنة أبدية مكتوبة على العالم الإسلامي، بسبب ظروف قاهرة لا يد للإنسان فيها مهما حاول! جو حار، ولا فحم ولا حديد! بينما التقدم العلمي والصناعي والحضاري نصيب أزلي مقسوم لأوربا بسبب جوها البارد ووجود الفحم والحديد فيها! وكأنما تلك البلاد الحارة لم تكن يوما من الأيام مهد حضارة ملأت أرجاء الأرض، ولم يكن أهلها هم الناشطين الذين يتحركون لكشف مجاهل الأرض ونشر الهدى والنور في أرجائها، بينما كانت أوربا بجوها البارد وفحمها وحديدها غارقة في الظلام!
ثم .. لما كبر التلاميذ، وصاروا طلابا في المدارس الثانوية وفي التعليم العالي درّس لهم ما هو أسوأ من ذلك!