درس لهم أن أوربا كانت تعيش في الظلمات بسبب سيطرة الدين على حياتها، وأنها لم تتقدم ولم تتحضر إلا بعد أن نبذت دينها .. وأن الواقع السيىء الذي يعيشه المسلمون اليوم هو بسبب الدين الذي يتمثل فيه الجهل والخرافة، وأنهم لن يتقدموا ويتحضروا إلا حين يفعلون كما فعلت أوربا، فينبذون دينهم، ويتحررون من أغلاله ..
وما أصدق المقولة الأولى، وما أكذب الثانية!
أوربا كانت في ظلام بسبب دينها .. نعم. ولما نبذت"ذلك الدين"تقدمت وتحضرت .. نعم
أما المسلمون - على عكس ذلك تماما - فإن وقت تمسكهم بدينهم هو وقت عزتهم ووقت قوتهم، ووقت عملهم وحضارتهم وتقدمهم. أما وقت انتكاسهم وانحسارهم وضعفهم وتخلفهم فهو وقت عدم تمسكهم بحقيقة دينهم، وإن تمسكوا بأوهام ليست منه في حقيقة الأمر، حسبوها هي الدين.
والفرق بين الحالين هو الفرق بين الدينين .. أحدهما زائف محرف، والآخر هو الدين الحق كما أنزل من عند الله بلا تحريف. فمن تمسك بالأول ضل وتقهقر، ومن تمسك بالآخر على حقيقته نال خير الدنيا والآخرة.
ولكن الذي درس للطلاب سواء بالإيحاء أو بالطريق المباشر لم يكن مقصودًا به وجه الحق .. إنما كان المقصود به هو التضليل، وإبعاد المسلمين عن الإسلام من كل سبيل ..
ويجيء في هذا الصدد كلام الأب زويمر [1] في مؤتمر القدس التنصيري عام 1935 م، حيث كان عدد من المنصرين قد شكا من الفشل الذريع في تنصير المسلمين على الرغم من كل الجهود المبذولة في ذلك، فرد عليهم زويمر مبينا أن الهدف ليس تنصير المسلمين [2] ، وإنما هو صرف المسلمين عن التمسك بالإسلام، وإن المنصرين نجحوا في ذلك نجاحًا باهرًا، بفضل المدارس التنصيرية، ومناهج التعليم التي وضعها المنصرون للبلاد الإسلامية!! [3]
ولم يكتف الغزو الصليبي بكل السموم الي وضعها في مناهج التعليم، وما كان له أن يكتفي! فلا بد من إحكام التخطيط، وإحكام التنفيذ، حتى لا تترك ثغرة يعود المسلمون من طريقها إلى الإسلام!
كان المطلوب إحداث نمط حياة كامل مغاير للصورة الإسلامية، وتحويله إلى"أمر واقع"يضغط بثقله على الأعصاب والأفكار والأرواح والعقول، فيبعدها عن الإسلام، ويصبح الإسلام إلى جانبها أشباحًا غامضة، أو أحلاما هائمة، غير قابلة للتطبيق في دنيا الواقع .. بل يصبح نمط الحياة الجديد في حس الناس هو الأصل، ويصبح الإسلام إلى جانبه شيئًا مضادًا .. شيئا غير مرغوب فيه، لأنه يتصادم مع الواقع الجديد، ويفسد"رونقه"و"بهاءه"الوهميين اللذين لمعتهما وسائل الإعلام بكل وسائل التضليل ..
ولقد كان هذا أخطر ما صنعه الغزو الصليبي في الحقيقة، وأبرع ما نجح فيه مستغلا غفلة المسلمين عن حقيقة دينهم، والانبهار الذي أحسوه تجاه الغرب الظافر بسبب الخواء العقدي الذي كانوا يعيشون فيه.
(1) هو الدكتور صمويل زويمر من أخطر المنصرين الذين عملوا في الساحة الإسلامية، مات في الخامسة والثمانين من عمره عام 1952 م، وكان"بروتستانتيا"ولكنه أوصى أن يدفن في مدافن اليهود!!
(2) كذب زويمر في هذه. ويشهد على كذبه كتاب"الغارة على العالم الإسلامي"تأليف أ. شاتلييه (تعريب محب الدين الخطيب) فقد دعا صراحة إلى وجوب تنصير العالم الإسلامي. فلما عجزوا قال زويمر إن الهدف لم يكن تنصير المسلمين، وزعم أن هذا شرف لا يستحقونه! وإنما الهدف صرف المسلمين عن الإسلام!
(3) راجع نص حديثه في كتاب الشيخ محمد محمود الصواف"المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام"طبع دار الاعتصام بالقاهرة ص 58 - 59