الصفحة 57 من 59

والمسلمون كما قلنا بدءوا يعودون إلى دينهم الذي كادت تنقطع صلتهم به تحت ضغط الغزو الصليبي والغزو الفكري ..

ولكن المشوار ما زال طويلا أمامهم لكي يحققوا الصورة الحقيقية للإسلام .. بمقدار البعد الذي كانوا قد بعدوه عن حقيقة الإسلام.

ولن يتوقع أحد - و لا يحدث أبدا - أن تكون الأمة كلها، بكل فرد فيها على المستوى المطلوب. فإن مجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم ذاته لم يكن كله على المستوى ولم يكن كله أبا بكر وعمر رضي الله عنهما .. ولكن كانت فيه مع ذلك قاعدة صلبة من المؤمنين ذوي المستوى الرفيع الفائق، هم الذين ربَّوا الأمة عن طريق القدوة، وهم الذين قام عليهم البناء.

وهذه القاعدة هي المطلب العاجل للدعوة، ولا نستطيع أن نقول بعد إنها تكونت على المنهج المطلوب.

ولننظر في بعض الصفات التي استحقت بها القاعدة الأولى النصر من عند الله، كما وردت في سورة الأنفال:

(وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ... ) [1]

فتلك صفات أربع، تحققت في القاعدة التي بناها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحقت بها النصر من عند الله: الإيمان، وناهيك بذلك الإيمان الفذ. وتآلف القلوب. والتجرد لله. والاستعداد لخوض القتال حين تدعو الدواعي إليه ..

فإلى أي حد حققنا تلك الصفات في العمل الإسلامي، فضلا عن صفات أخرى وردت في سور أخرى من كتاب الله [2] ، وكانت كلها من المؤهلات التي استحقت بها الجماعة الأولى النصر من عند الله، والتمكين في الأرض حسب وعده تعالى:

(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) [3]

المشوار طويل .. ونحن لا نستبطئ المسيرة، ولا نستعجل الوصول، لأننا نعلم أن عقبات كثيرة تقف في الطريق .. وليس كيد الأعداء هو أكبر العقبات كما يجري على ألسنة كثير من الدعاة أنفسهم، إنما الغربة التي حاقت بالإسلام هي العقبة الأولى والكبرى، لأنها تحوجك أن تعرّف الناس بالإسلام من جديد، كأنه بعد جديد! وتحوجك أن تقنع الناس أن ما عليه أكثرهم - إلا من رحم ربك - ليس هو حقيقة الإسلام، وأن ألوانا كثيرة من الشرك يقع الناس فيها وهم لا يشعرون، سواء شرك الاعتقاد أو شرك العبادة أو شرك الاتباع .. وما لم يقتنع الناس فلن يغيروا ما هم عليه، ولن يغير الله لهم حتى يغيّروا ما بأنفسهم:

(إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [4]

(1) سورة الأنفال [62 - 65] .

(2) راجع بصفة السور الأربع الطوال: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة.

(3) سورة النور [55] .

(4) سورة الرعد [11] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت