الصفحة 56 من 59

والظلم الاقتصادي الذي يسود عالم اليوم مبعثه الرأسمالية الربوية التي رفضت أمر الله ابتداء بتحريم الربا، فأنشأت نظاما يأكل فيه القوي الضعيف في عالم الاقتصاد كما يأكله في عالم السياسة. واستبد الأقوياء اقتصاديا بالضعفاء فامتصوا جهدهم ودماءهم، وحولوهم خدمًا لهم وتبعا، يسخّرونهم"لمصالحهم"ويمنون عليهم أن تركوهم يحيون إلى جانبهم .. وإنها لحياة الهُون.

والفساد الخلقي الذي يسود عالم اليوم مبعثه إنكار حق الله في وضع"الحدود"التي تضبط تصرفات البشر، وإعطاء هذا الحق للبشر بدعوى أنهم أدرى بمصالحهم من خالقهم سبحانه! ومبعثه كذلك أن الآخرة قد امّحت من حسهم فصارت الحياة الدنيا أكبر همهم ومبلغ علمهم، فانفلتت الشهوات من معقلها، لأنه لا يعقلها إلا الإيمان بالله واليوم الآخر.

وكذلك كل ألوان الفساد الموجود في الأرض من التمييز العنصري، إلى الحروب إلى الخمر إلى المخدرات إلى الجريمة إلى الزيغ العقدي إلى الزيغ الفكري إلى الزيغ"الفني!"إلى ألوان الجنون المختلفة من جنون الكرة إلى جنون الجنس إلى جنون التليفزيون إلى جنون الفيديو إلى جنون"المودة"إلى جنون السرعة إلى جنون العظمة الذي يحتل رءوس الطغاة وكبار المجرمين ..

كله يرجع إلى سبب رئيسي واحد، هو استكبار الإنسان المعاصر عن عبادة الله واتخاذه إلهه هواه ..

وليس هذا تبسيطا للأمور كما يحلو لبعضهم أن يفكر .. إنما هي الحقيقة التي أكدها كلام الله في الكتاب المنزل، وأكدتها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

والمنهج المقابل لذلك الفساد كله هو الإسلام.

وليس الإسلام - كما قلنا دائما - كلمة تنطق باللسان فحسب، وليس وجدانا مستسرا في الضمير فحسب. بل هو منهج حياة كامل، يشمل كل جوانب الحياة العقدية والأخلاقية والفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والقولية والعملية، ويضبط كل ذلك بالضوابط الربانية، فيقوم الناس بالقسط ..

الإسلام هو المنهج الذي يصلح الفساد الذي أنشأه البعد عن الله ..

هو الدين الذي يغذي جوعة الروح. فللروح جوعة لا تستقر إلا بالإيمان بالله:

(فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) [1]

ويبارك نشاط الجسد ونشاط العقل ما داما منضبطين بالضوابط الربانية.

ويوازن بين مطالب الجسد ومطالب الروح. ومطالب الدنيا ومطالب الآخرة.

الدين الذي يحث على"العلم"وعلى عمارة الأرض، ويجعل ذلك جزءا من عبادة الله ..

الدين الذي يمحو فوارق الجنس وفوارق اللغة وفوارق اللون، ويتعامل مع الإنسان من حيث هو إنسان.

الدين الذي يكرّم الإنسان، ويضعه في أحسن حالاته حين يعبد الله وحده فيتحرر من عبادة كل الآلهة المدعاة.

الدين الذي ينشر العدل في الأرض لأنه يحرم الظلم ويأباه، ويحض المؤمنين على الجهاد لإزالة الظلم من الأرض وإقامة القسط بصرف النظر عن اختلاف الجنس أو اللغة أو اللون .. أو الدين ..

يكفي أن نقول: هو المنهج الرباني، وما عداه هو المناهج الجاهلية.

ولكن المنهج الرباني لا يعمل وحده .. إنما يعمل من خلال البشر الذين يؤمنون به.

كما أن البشرية لن تتعلمه، ولن تحبه وتؤمن به بمجرد أن تقول لها: هذا هو المنهج الرباني، وهو خير من مناهج الجاهلية!

إنما تؤمن به وتحبه حين تراه مطبقا في واقع يشهده الناس بالفعل، ويرون ما فيه من"اعتدالات"واستقامت في مقابل انحرافات الجاهلية واعوجاجاتها ..

فمن يقوم بذلك اليوم .. فينقذ نفسه، وينقذ البشرية؟!

من إلا المسلمون؟

(1) سورة الروم [30] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت