الصفحة 52 من 59

وقد لا يدركون هم ذلك! قد لا يكونون على وعي بمقدار ما أُحْدِثَ في نفوسهم من مسخ وتشويه .. فقد ركّبوا في مصانع الغزو الصليبي بحيث يرون الإسلام عدوًا لهم لا بد من محاربته .. لذلك فقد يعتقدون أنهم في مواقفهم ضد الإسلام، وضد تحكيم الشريعة، منطلقون من ذوات أنفسهم، وبدوافعهم الخاصة ..

ولكن .. ألا يستوقفهم ذلك التوافق العجيب بين مواقفهم ومواقف الغرب تجاه الإسلام؟!

الغرب هو الذي نحَّى الشريعة الإسلامية من البلاد التي وطئتها أقدامه في أثناء الغزو الصليبي، والغرب هو الذي جند طاقته كلها لمنع العودة إلى تطبيقها مرة أخرى في بلاد الإسلام ..

والعلمانيون؟ ما موقفهم .. ؟

أليسوا يعارضون تحكيم الشريعة في بلاد الإسلام؟! ويقيمون الندوات والمؤتمرات ليؤكدوا معارضتهم لذلك الأمر؟!

والغرب يقولون إن"الإسلام السياسي"هوالخطر الجديد الذي يهدد العالم .. والذي يجب أن تجند له قوات الغرب، بل قوات العالم كله!

والعلمانيون؟ ما موقفهم .. ؟

أليسوا يقولون إن الإسلام يجب أن يبعد عن السياسة، وإن مزجه بالسياسة، أو انطلاق السياسة من منطلقه خطر يهدد العالم؟!

والغرب وقف بشدة ضد وصول الإسلاميين إلى الحكم في الجزائر، ونسي"ديمقراطيته"التي تقضي بأن ما تجمع عليه أغلبية الأمة يجب أن يكون هو دستورها النافذ وقانونها المطبق، وقال: إن ذلك يصح مع أهل الأرض جميعا إلا المسلمين!

والعلمانيون .. ما موقفهم .. ؟

أليسوا قد وقفوا ضد الإسلاميين في الجزائر، وقالوا إن"العالم الحر"يجب أن يتدخل ليحول دون هذا الخطر المخيف؟!

والغرب أطلق على الحركات الإسلامية لفظ"الأصولية"Fundamentalism وهي عندهم كلمة ذم لا يوجد لديهم أكثر منها ذما لصاحب فكر أو عقيدة. فهي عندهم علم على فئة من النصارى حرفية في تفكيرها، ضيقة الأفق، متعصبة، لامرونة عندها ولا قدرة على التكيف بما يجدّ في الحياة من أمور .. وقد أطلقوا هذه الصفات كلها على الحركات الإسلامية يوم أطلقوا عليها هذا الوصف Fundamentalists ، ودلالتها عند الرجل الأوربي واضحة غاية الوضوح ..

والعلمانيون .. ما موقفهم .. ؟

ألم يتلقفوا تلك الصفة في الحال ويصفوا بها الحركات الإسلامية، حتى لم يعد يجري على لسانهم عندما يتكلمون عن الحركات الإسلامية أو الاتجاه الإسلامي إلا لفظ"الأصولية"؟!

والغرب يتحدث ليل نهار عن"الإرهاب الإسلامي"ويصوره على أنه الخطر الكاسح الذي سيقوض أمن العالم كله، والذي يجب أن يكافح، وأن يجتث من جذوره، بينما لا يتحدث أبدًا عن"الإرهاب النصراني"- وقد تمثل في أبشع صوره في البوسنة والهرسك - ولا"الإرهاب اليهودي"وهو يتمثل يوميا في قتل أصحاب البلاد الأصليين وتشريدهم وتعذيبهم في السجون ومنعهم من حقوقهم الطبيعية والاستيلاء على أرضهم وديارهم وطردهم منها، ولا"الإرهاب الهندي"الذي يمارسه عبّاد البقر على المسلمين في الهند، ويتمثل في حرق المسلمين أحياء في قراهم، وتهديم مساجدهم وتعقيمهم إجباريا لكي لا يتكاثر نسلهم، ولا"الإرهاب البوذي"الذي يفعل بالمسلمين ما يفعل في بورما، ولا"الإرهاب الشيوعي"الذي قتل مائة ألف من المسلمين في طاجستان وطرد الباقين من بلادهم .. ولا غيرها ولا غيرها من صنوف الإرهاب، كأن الدنيا كلها مستقيمة ملتزمة والمسلمون وحدهم هم الذين يمارسون الإرهاب.

والعلمانيون .. ما موقفهم .. ؟

أليسوا يرددون ذات النغمة فلا يكفون عن الحديث عن الإرهاب الإسلامي، بينما يصمتون الصمت المريب عن كل ألوان الإرهاب الواقعة في الأرض، والتي يقع أكثرها على المسلمين؟!

ألا يستوقفهم ذلك التوافق العجيب بين مواقفهم ومواقف الغرب تجاه الإسلام؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت