أما البرامج التطبيقية فقد تختلف فيها وجهات النظر، وقد تتناقش فيها الجماعات المختلفة، وقد يعرض الأمر على أهل الاختصاص ليروا أي وجهات النظر أصوب .. ولكن هذا كله لا يتعلق بالأصل، وهو تطبيق الشريعة التي يجب أن تكون هي المظلة التي يقف تحتها كل من ينطق بفمه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، والتي في ظلها تفكر الأمة المسلمة، وفي ظلها تستعرض برامجها.
لقد جعل الله التحاكم إلى شريعة الله محكًّا للإيمان، شأنه شأن الاعتقاد بوحدانية الله، وتوجيه كل ألوان العبادة له وحده بلا شريك:
(فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) [1]
(وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) [2]
(فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [3]
وكما أن الإيمان بالله الواحد مسئولية كل مسلم على الإطلاق، لا مسئولية بعض الناس دون بعض، وكما أن توجيه العبادة لله وحده بلا شريك مسئولية كل مسلم على الإطلاق، لا مسئولية بعض الناس دون بعض، فكذلك التحاكم إلى شريعة الله هو مسئولية كل مسلم على الإطلاق، وليس مسئولية بعض الناس دون بعض.
والأصل في حياة هذه الأمة أن تكون الشريعة الربانية هي الحاكمة فيها، دونما حاجة لأن يطالِبَ بذلك فرد منها ولا جماعة، لأنها إلزام رباني، لا يتوقف على مطالبة أحد أو عدم مطالبته. إنما يقوم به المؤمنون تعبدًا واحتسابًا، ولا يملكون ألا يقوموا به لأنهم إن رفضوه فإنهم يخرجون بذلك من أصل الإسلام، وكذلك إن رضوا بتحكيم شريعة غير شريعة الله.
وإذا كان الأمر الواقع اليوم أن هناك دعاة وجماعات تطالب بتحكيم الشريعة فسبب ذلك أن الغزو الصليبي قد قام بتنحية الشريعة عن الحكم في البلاد الإسلامية التي دنستها قدماه، واستكانت الأمة لما أحدثه الغزو الصليبي فترة من الوقت، ثم قام دعاة وجماعات من الأمة بالدعوة إلى إعادة الأمور إلى أصلها الذي كانت عليه من قبل ذلك الغزو الغادر، وتحملوا مسئولية الجهاد في هذا السبيل. ولكن ليس معنى هذا أن يكونوا هم المسئولين وحدهم عن هذا الأمر فيطالَبُوا وحدهم بإنجاز ما يجب على الأمة بأكملها أن تقوم به، ولا معناه أن يعلق تحكيم الشريعة على تقديم هذه الجماعات برنامجا للتنفيذ! فضلا عن أن يقوم في هذه الأمة من يعلن جهارًا أنه لا يوافق على تطبيق الشريعة! وفضلا عن أن يؤخذ المطالبون بتحكيم الشريعة فيقتّلوا ويعذّبوا، ويتهموا بالخروج على"الشرعية!"كأنما توجد في الإسلام شرعية بغير شريعة!!
كذلك فإن تحكيم الشريعة أمر لا يخيّر فيه الناس ولا يُسْتَفْتَوْن، لأن الله يقول: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [4] . والتخيير إنما يكون في أمر يملك الناس فيه الخيار. فإذا قال الله إنه لا خيار في هذا الأمر بل
إلزام، وإنه متصل بأصل الاعتقاد، فكيف يكون التخيير؟!
أيخيّر المسلم في الدولة الإسلامية فيسأل: هل تريد أن تكون مسلما أم تريد الكفر .. والعياذ بالله؟!
ولكن الأمر قد وصل بهذه الأمة أن يكون تطبيق الشريعة الذي هو أصل ثابت من أصول الإيمان موضع استفتاء وتخيير، ثم إذا اختارت أغلبية ساحقة من الناس تحكيم الشريعة اختيارًا حرًا لا شبهة فيه ولا مراء - كما حدث في الجزائر - قيل لهم: لا نسمح لكم بتنفيذ ما اختارته الأمة .. لأنكم غير ديمقراطيين!!!
(1) سورة محمد [19] .
(2) سورة النساء [36] .
(3) سورة النساء [65] .
(4) سورة الأحزاب [36] .