الصفحة 36 من 59

وكأنما اختلاف الفقهاء قد نبت فجأة في هذه الأيام، وليس عمره نيّفًا وأربعة عشر قرنا من الزمان!

وكأنما القوانين الوضعية من الجانب الآخر قول واحد ومدرسة واحدة واجتهاد واحد لا يأتيه الاختلاف من بين يديه ولا من خلفه!

كيف كانت تطبق الشريعة خلال ثلاثة عشر قرنا مع اختلاف المذاهب واختلاف الاجتهادات؟!

وكيف يختارون هم قوانينهم الوضعية من بين الآراء المختلفة والدساتير المختلفة والنظريات المختلفة؟!

أهذا نقاش"علمي"؟ أهذه"موضوعية"؟!

"مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ" [1]

إنما تعتمد الدولة المسلمة اجتهادًا معينًا من هذه الاجتهادات - يرى فقهاء عصرها أنه الأكثر تحقيقا للمصلحة - فتجعله هو الشرع الملزم في لوائحها وتنظيماتها الإدارية ومحاكمها، وتترك للقضاة حرية التحرك في حدود ذلك الاجتهاد الملزم، كما يترك للقاضي في ظل القانون الوضعي أن يحكم بأدنى العقوبة أو أقصى العقوبة أو يسقط الدعوى لعدم كفاية الأدلة ..

أين المشكلة؟!

إنما هي الرغبة في وضع العراقيل في طريق تحكيم الشريعة، وإيهام الناس أن الفوضى ستضرب أطنابها يوم تحكم الشريعة، ويختلط الحابل بالنابل، وتضيع الحقوق، ويختل النظام!!

ألا يستحي هؤلاء من صور الفوضى الاجتماعية والأخلاقية واضطراب الأمن وشيوع الجريمة وانفلات الناس من آدميتهم في ظل القوانين الوضعية التي يريدون التحاكم إليها بدلا من شرع الله؟!

صيحة أخرى يتصايح بها العلمانيون لمحاولة تخذيل المطالبين بتحكيم الشريعة ..

أرونا برامجكم! نريد برامج عملية قابلة للتنفيذ، لا مجرد التصايح بتحكيم الشريعة .. أرونا كيف تحل الشريعة التي تريدون تطبيقها مشاكل التخلف الاقتصادي والتضخم السكاني والديون المتراكمة والمعدات الخاوية والأيدي المتعطلة إلخ .. إلخ

وهذه الصيحة التي يرددها العلمانيون كلما علت أصوات المطالبين بتحكيم الشريعة، يحسب أصحابها أنها القنبلة المدمرة التي ستعصف بكيان الإسلاميين وتكشف عجزهم وضعف موقفهم، وتصرف الناس عن تأييدهم والالتفاف حولهم .. بينما هي في الحقيقة تكشف عن مدى تدني"الحس الإسلامي"في واقعنا المعاصر، ومدى تغلغل الغزو الفكري في حياتنا، وتأثيره في طريقة تناولنا لقضايانا الرئيسية .. حتى قضايا العقيدة!

إن القضية من وجهة النظر الغربية التي صرنا نتناول بها قضايانا أن هناك"جماعة"أو"حزبا"يرفع شعارًا معينًا يريد أن يجعله أساسًا للحكم. وإذن فليقدم هذا الحزب برنامجه، ليحكم الناس له أو عليه، ويعطوه أصواتهم أو يحجبوها عنه، بحسب اقتناعهم بالبرنامج أو عدم اقتناعهم به!

أما القضية من وجهة النظر الإسلامية فمختلفة تمامًا ..

إن تحكيم الشريعة الإسلامية أمر لا يخص فردًا معينًا أو جماعة معينة حتى تكون هي المختصة بأمره، المطالَبَةَ بوضع البرنامج لتنفيذه! .. إنه أمر كل مسلم .. كل مسلم ينطق بفمه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، مطالب أمام ربه بتحكيم الشريعة الربانية. فإن كانت محكّمة بالفعل فبها ونعمت. وإن لم تكن قائمة فهو يخرج من دائرة الإسلام أصلا إن رضي بهذا الأمر وتابع، كما نص كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .. فضلا عن أن يتبجح برفض تحكيم الشريعة، أو يطالب بعدم تحكيمها!

(1) سورة الزخرف [58] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت