الصفحة 35 من 59

ولسنا نقصد بالخطيئة جريمة الزنا وحدها كما قد يتبادر إلى بعض الأذهان من كلامنا .. فالربا خطيئة، تؤدي - كما قال الخبير الألماني شاخت - إلى تزايد المال في طبقة يقل تعدادها على الدوام، وتزايد الفقر في طبقة يزيد تعدادها على الدوام. ويُسْحَقُ جمع هائل من البشر تحت ضغطٍ هائل مخيف يسلطه بضعة نفر من آكلي أموال الناس بالباطل على جموع"الكادحين".. والظلم السياسي الذي تمارسه الوحوش الكبرى التي تسمي نفسها الدول العظمى خطيئة تؤدي إلى إذلال الدول الصغيرة وإفقارها ونهب خيراتها وسحق كرامتها إرضاء لشهوة السلطان عند تلك الوحوش. وإباحة الإلحاد خطيئة تهبط بالإنسان من شفافيته التي خلقه الله عليها حين خلقه"في أحسن تقويم"، وتحصره في محيط ما تدركه الحواس، فيهبط"أسفل سافلين"ويصبح كما وصفه الله (أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [1] .. الغافلون بكل معاني الغفلة، السادرون في الوهم والجهالة وعمى البصيرة. وإيجاد العداوة بين الدين والعلم خطيئة .. فالدين نزعة فطرية لم تغادر النفس البشرية أبدا حتى حين عملت الشيوعية على قتلها بالحديد والنار والتجسس، فبمجرد أن سقطت الشيوعية عاد الناس إلى مساجدهم وكنائسهم، إلا من أكل الشيطان قلبه، والرغبة في التعلم نزعة فطرية خلقها الله في الإنسان ليقوم بعمارة الأرض كما كلفه: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) [2] وإقامة الصراع بين نزعتين فطريتين متعاونتين في الأصل غير متعارضتين، خطيئة في حق"الإنسان"تمزقه وتسلبه طمأنينته لحساب الشيطان! وعشرات من الحظايا وعشرات تشرع لها الجاهلية أو تجعلها مباحة حين تنفلت من كل ضابط إلا الأهواء!

أَوَ كذلك يحدث في الاجتهاد المنضبط بضوابط الشريعة مهما اختلفت الأفهام واختلفت اجتهادات الفقهاء؟!

إنني - والله - أشك كثيرا فيمن يلغو مثل هذا اللغو أنه يصدق حقيقةً ما يقول! ... إلا أن يكون قد قصد قصدًا إلى اللعب بالعقول!

إن اختلاف الفقهاء هو من مزايا هذا الدين .. فقد ترك الله أمورا كثيرة للاجتهاد، رحمة منه غير نسيان كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعلم الله - وقد أباح الاجتهاد فيما لم يتنزل فيه نص - أن أفهام البشر تختلف، واجتهاداتهم تختلف"أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ" [3] . فكأن الله سبحانه وتعالى هو الذي أّذِنَ بهذا الاختلاف في تطبيق شريعته المنزلة، توسعة على الناس ورفعًا للحرج عنهم، ولو شاء لأعنتهم كما قال سبحانه في كتابه العزيز: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [4] .. أفتتخذ هذه التوسعة المنضبطة أولا وآخرا بألا تحل حرامًا ولا تحرم حلالا ذريعة للتسوية بين حكم الشريعة وحكم القوانين الوضعية، بل لتفضيل القوانين الوضعية على حكم الشريعة، مع كل ما تحمله تلك القوانين من ألوان الفساد؟!.

هذه النقطة ذاتها - نقطة اختلاف الفقهاء في اجتهاداتهم - يتخذها بعضهم ذريعة لإلغاء حكم الشريعة كله من زاوية أخرى، فيتصايحون، في بلاهة حقيقية أو بلاهة مفتعلة: قولوا لنا كيف نطبق الشريعة! بأي الأقوال نأخذ؟! بقول هذا الفقيه أم ذاك الفقيه، وكل واحد منهم له رأي في المسألة يخالف رأي الآخر؟! حددوا لنا أي الأقوال هوالشريعة التي تريدون تطبيقها!!

ويحسبون أنهم بهذا التصايح الأبله يربكون الإسلاميين المطالبين بتحكيم الشريعة، ويخذّلونهم عن تلك المطالبة الملحّة التي تفزع العلمانيين أي إفزاع!

(1) سورة الأعراف [179] .

(2) سورة هود [61] .

(3) سورة الملك [14] .

(4) سورة البقرة [220] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت