الصفحة 34 من 59

ولكن من يقول - مهما اختلفت الأفهام واختلفت الاجتهادات - إنه لا فرق بين الاجتهاد المنضبط بالضوابط الشرعية والاجتهاد المنفلت من كل ضابط إلا أهواء الناس التي يسمونها"المصلحة"رياء وذرًّا للرماد في العيون، وهي مصلحة فريق معين من البشر يعيثون في الأرض فسادا، ويريدون أن يستحمروا"الأمميين"لحسابهم الخاص؟!

إن الاجتهاد المنفلت من كل ضابط إلا أهواء الناس، والمتغلف بالمصلحة رياءً وذرًّا للرماد في العيون، قد أباح الربا، وأباح الزنا، وأباح الفاحشة الشاذة، وأباح الإلحاد بمعنى إنكار وجود الله وإنكار التصورات الدينية على الإطلاق، وأباح لخمس دول بأعيانها أن ترفض الإذعان للحق حين يحيط بها الحق من كل جانب، برفع إصبع واحدة من يد مندوبها في مجلس الأمن، فيخضع الجميع ويذعنون للظلم البيّن، وأباح لدولة بعينها - باسم النظام العالمي الجديد - أن تنزل قواتها في أي بقعة في الأرض تزعم أن فيها ما يخالف"القيم والمبادئ!!"فتقتل أهلها وتخرب أرضهم وديارهم وتتلقى الشكر العالمي على ذلك .. وأباح .. وأباح .. وأباح .. وجعل ذلك كله شرعا مرعيا تحميه الدولة أو الدول ذات الشأن بسلطانها وجيوشها!!

هل يمكن أن يحدث ذلك في الاجتهاد المنضبط بالضوابط الشرعية؟!

يختلف الفقهاء ما اختلفوا .. فهل يمكن أن يحلوا الربا [1] ؟!

يختلف الفقهاء ما اختلفوا .. فهل يمكن أن يحلوا الزنا؟!

يختلف الفقهاء ما اختلفوا .. فهل يمكن أن يحلوا الفاحشة الشاذة؟!

يختلف الفقهاء ما اختلفوا .. فهل يمكن أن يحلوا الخمر؟!

يختلف الفقهاء ما اختلفوا .. فهل يمكن أن يحلوا تعري الرجال والنساء على شواطئ البحار؟!

يختلف الفقهاء ما اختلفوا .. فهل يمكن أن يحلوا لوسائل الإعلام - أو لأيٍّ كان - أن يهاجم الدين، أو ينكر معلومًا من الدين بالضرورة، أو يحرض على معصية أوامر الله؟

إن معاصي كثيرة يمكن أن تحدث حتى في المجتمع المسلم الملتزم بتطبيق الشريعة، ولسنا عن هذا نتحدث .. إنما نتحدث عن التشريع الذي يحل هذه المعاصي ويعتبرها أمرا مباحا لا جناح على مرتكبيه .. وفرق كبير بين وقوع المعصية مخالَفَةً للشرع، وتوقيع العقوبة المنصوص عليها حين تقع وبين أن تكون مباحة بنص القانون، في الأولى يمكن أن يقوم مجتمع"إنساني"تقع فيه الخطيئة بين الحين والحين، ولكنها لا تكون هي الأصل، وفي الثانية يقوم مجتمع"حيواني"الخطيئة فيه هي الأصل، والامتناع عنها هو الشذوذ!

(1) يكثر جدل"العصريين"المتأثرين بثقل الأمر الواقع في كون بعض المعاملات كالسندات التي تصدرها الدولة داخلة في الربا المحرم أم غير داخلة فيه، ولكن أحدا من هؤلاء لا يجرؤ على تحليل الربا من حيث المبدأ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت