الصفحة 33 من 59

أما في المرة الأخيرة فقد أثرت الهزيمة العسكرية هذا التأثير الهائل، لأنها لم تكن وحدها، بل صحبتها هزيمة روحية أمام"الحضارة الغربية"نشأت من الشعور بالإفلاس الحضاري من جانبهم .. وقد كان هذا الإفلاس حقيقة واقعة، ولكن سببه لم يكن"الدين"كما ظن المنهزمون في وهلة الهزيمة، إنما كان هو الخواء العقدي الذي جرّد العقيدة من نتاجها الحيّ: الحضاري والفكري والعلمي والسياسي والحربي ..

ولأول مرة في حياة المسلمين سعى"المثقفون"، الذين يفترض فيهم أنهم قادة الأمة، إلى محاولة إبعاد الأمة عن كل ما يتصل بدينها وتراثها وعقيدتها وشريعتها، لينطلقوا في وهمهم إلى الحياة والقوة والتقدم والرقي! وقام فيهم من يجادل لا في وجوب الالتزام بتطبيق الشريعة، بل في حق الله سبحانه وتعالى في التفرد بالحاكمية والتشريع، الذي هو - في زعمهم - حق خالص"للأمة"مصدر السلطات .. لا يشاركها فيه أحد .. حتى الله! نستغفر الله ..

في كتاب"حول تطبيق الشريعة"ناقشت بعض الدعاوى التي يثيرها العلمانيون في فصول تحمل هذه العناوين:"هل تنفصل العقيدة عن الشريعة في دين الله؟""هل لولي الأمر أن يتصرف في أحكام الشريعة بحسب الأحوال""شبهة التطور وعدم صلاحية الشريعة للأحوال المستجدة""شبهة تعارض أحكام الشريعة مع مقتضيات الحضارة الحديثة ووجوب الأخذ بمعايير الحضارة دون الشريعة""شبهة عدم إمكان تطبيق الشريعة بسبب وجود الأقليات غير المسلمة""شبهة عدم إمكان تطبيق الشريعة بسبب الدول العظمى وضغطها على العالم الإسلامي".

وفي الندوات الأخيرة التي أقيمت بين العلمانيين والإسلاميين أثار العلمانيون بعض الدعاوى التي لم يرد ذكرها في كتاب"حول تطبيق الشريعة"لا تقل سخفًا عنها وبعدًا عن الموضوعية و"العلمية"، نتعرض لأبرزها في هذا الفصل، لا لأنها تستحق الرد في ذاتها، ولكن لبيان عدم موضوعيتها، وبيان جانب المغالطة فيها .. وإذا كان القرآن الكريم قد ورد فيه الرد على دعوى اليهود بأن يد الله مغلولة، وأن الله فقير وهم أغنياء، على كل ما في الدعوى من جهل وسخف وتوقح على مقام الألوهية، فلا بأس علينا أن نبين مدى بُعد دعاوى العلمانيين عن الجدية اللازمة"للبحث العلمي!"ومدى بعدها عن الصواب.

من تلك الدعاوى أنه لا شيء في الواقع يسمى"تطبيق الشريعة"! فالذي يطبق بالفعل ليس هو الشريعة الربانية، إنما هو فهم البشر للنص الوارد في الشريعة، ومن ثم فهو تشريع بشري في الحقيقة! ولكنه - رغم بشريته - يزعم لنفسه قداسة مستمدة من الوحي الرباني! ويهدد بهذه القداسة من يعارضه فيتهمه بأنه خارج على الدين! بينما التشريع البشري الخالص، الذي يصنعه البشر بأنفسهم غير مستندين فيه إلى الدين، لا قداسة له عند واضعيه ولا عند معارضيه. ومن ثم يناقش بحرية، ويعدل أو يلغى إذا اقتضت الضرورة بغير تحرج ولا خوف! وعلى ذلك فالأولى عدم تطبيق الشريعة، وترك البشر يشرعون كما يحلو لهم، ويعدلون ويبدلون، دون خوف في صدورهم، ولا اتهام لهم بالمروق من الدين!

وكأنهم حين يصنعون ذلك لم يمرقوا من الدين!!

أي لعب بعقول الناس - بدعوى الموضوعية والعلمية - أشد من هذا اللعب وأسخف من هذا اللعب؟

إن اختلاف الأفهام حقيقة .. واختلاف الاجتهادات حقيقة، وخاصة فيما لم يتنزل فيه نص ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت