الصفحة 32 من 59

تلك هي القضية في وضوحها وبساطتها .. وقد كانت بهذا الوضوح وهذه البساطة طوال ثلاثة عشر قرنا من حياة المسلمين، لم يجادلوا فيها، ولم يتصوروا قط أن المسلم يمكن أن يُحْكَم بغير ما أنزل الله من ناحية التشريع، وإن كانت المخالفات في التطبيق قد حدثت - في سياسة الحكم خاصة - وأنكرها المنكرون باليد أو اللسان أو القلب. أما التشريع بغير ما أنزل الله فلم يحدث في التاريخ الماضي سوى مرة واحدة حين حكم التتار - قبل أن يستقروا على الإسلام الصحيح - أي بدستور من صنع البشر، فحكم عليهم العلماء بالكفر الصريح حتى يرجعوا عنه، ويحكُموا بشريعة الله وحدها، لا يحكِّمون سواها في قليل ولا كثير.

يقول ابن كثير رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) :

"ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بأهوائهم وآرائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيزخان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها بمجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير" [1] .

ولكن الواقع المعاصر جاء بانحرافين خطيرين، من أخطر ما مر بالمسلمين في حياتهم: تنحية الشريعة عن الحكم من ناحية، ووجود"علمانيين"يتبجحون برفض شريعة الله، ويناوئون الذين يطالبون بالعودة إلى تحكيم شريعة الله!

ولقد جاء هؤلاء العلمانيون ثمرة للغزو الفكري الذي اجتاح حياة المسلمين حين فرغت نفوسهم من حقيقة الإسلام، وأصبح الدين في حياتهم"تقاليد"خاوية بغير روح، فاكتسحها الغزو الفكري اكتساحا، وأجلاها من مواقعها، ووضع في مكانها فكرًا دخيلًا ما أنزل الله به من سلطان.

قلت في أكثر من كتاب [2] إن الهزيمة العسكرية التي أصابت المسلمين أمام قوى الغرب الظافر الكاسح، لم تكن وحدها التي أثرت في كيان المسلمين وجعلتهم يتقبلون الغزو الفكري، ويتشككون - لأول مرة في حياتهم - في قيمهم الدينية، وشريعتهم الربانية، وأخلاقياتهم وأنماط سلوكهم، ويستبدلون بها أفكار أوروبا وقيمها وتصوراتها. إنما المسئول الأول عن ذلك هو الخواء العقدي الذي آل إليه المسلمون في العهود الأخيرة بسبب ما أصاب عقيدتهم من أمراض وانحرافات خلال القرون ..

لقد علّم الله المسلمين في كتابه المنزل ألا يهنوا ولا يحزنوا ولو أصابتهم الهزيمة العسكرية أمام أعدائهم. ما داموا مؤمنين:

(وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [3]

وقد وعوا الدرس فلم يهنوا ولم يحزنوا حين انهزموا أمام التتار وأمام الصليبيين هزائم ساحقة، بل تجمعوا، وجمعوا عزيمتهم، وردوا الكرة عليهم، وكانوا في أثناء ذلك كله يحتقرونهم ويشمئزون من كفرهم وشركهم وفساد أخلاقهم وأنماط سلوكهم، لأن جذوة الإيمان كانت ما تزال حية في القلوب ..

(1) تفسير ابن كثير، ج 2 ص 68.

(2) انظر - إن شئت - على سبيل المثال كتاب"واقعنا المعاصر"فصل"خط الانحراف"وفصل"آثار الانحراف"

(3) سورة آل عمران [139] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت