الصفحة 38 من 59

وهذا يعيدنا إلى أصل القضية: بأي الأمرين يلتزم المسلم؟ بالإسلام أم بالديمقراطية؟ هل يُعْرَض الإسلام على الديمقراطية لتقبل منه ما تقبل وترفض منه ما ترفض؟ أم تعرض الديمقراطية على الإسلام فيقبل منها ما يقبل، ويرفض منها ما يرفض؟!

وجواب الإسلام معروف!

ونترك الآن قضية البرنامج التي يتصايح بها العلمانيون كلما ارتفعت أصوات الذين يطالبون بتحكيم الشريعة، والتي ينخدع بها بعض الدعاة أحيانا، فينصرفون عن مهمة الدعوة الحقيقية، وهي تربية جيل من الناس على حقيقة الإسلام، إلى محاولة وضع برنامج عملي، للرد على العلمانيين وإبطال حجتهم! بينما العلمانيون - ومَنْ وراءهم - لا يطلبون البرنامج العملي حقيقةً! ولو قدم لهم البرنامج لازدادوا طغيانًا في حرب الإسلام والمسلمين! إنما يريدون التشويش والتعطيل، وصرف الجهود عن الهدف المنشود!

نترك قضية البرنامج لمن يشغل نفسه بالوصول إلى الحكم! إنما نحن لا نطلب الحكم، لأننا نعلم أن دون ذلك جهدًا ضخما يبذل أولا في تربية الأمة على الإسلام .. وإنما نطالب بأمر أقل من ذلك بكثير .. وهو حرية الدعوة .. حرية توصيل"الكلمة"إلى الناس ..

نترك قضية البرنامج لننتقل إلى القضية الثانية في هذا المبحث، وهي: هل تصلح التجربة الأوربية منهجا لحياتنا، وحياة البشرية .. وإذا لم تكن تصلح فما البديل؟

إن العلمانيين يريدون أن يكون محك القبول أو الرفض هو الديمقراطية وليس الإسلام ..

وبصرف النظر عن إخلاص العلمانيين الحقيقي للديمقراطية، وهم الذين كانوا يؤيدون أبشع ألوان البطش السياسي في تاريخ هذه الأمة - بطش العسكر - لمجرد أنه يضرب المسلمين، والذين وقفوا ضد الديمقراطية جهارًا حين أوصلت الإسلاميين إلى الحكم في الجزائر .. بصرف النظر عن ذلك فسوف نناقش الأمر مع العلمانيين من الناحية الموضوعية، كما ناقش يوسف عليه السلام صاحبيه في السجن:

(أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) [1]

إن الديمقراطية - بيقين - ليست فكرا ذاتيا للعلمانيين أتوا به من عند أنفسهم، إنما هو فكر مجلوب، أتوا به من الغرب، وهم لا ينكرون ذلك بل يفاخرون به ..

وأوربا - حسب تجربتها الخاصة - معذورة حين تنادي بالديمقراطية وتصر عليها، لأنها لم تعرف في حياتها سوى نوعين اثنين من الحكم: الدكتاتورية والديمقراطية، وقد ذاقت كل أنواع الويل في الدكتاتورية، ولم تنل حقوقها وضماناتها إلا في الديمقراطية فهي حريصة عليها كل الحرص. وهي تقيس - حسب تجربتها الخاصة - كل أنواع الحكم على ميزانها الخاص، فكل ما ليس ديمقراطية فهو دكتاتورية، وهو معيب ومرذول، والحكم الديني"الثيوقراطي"هو في ميزانها في خانة الدكتاتورية - وقد كان كذلك بالفعل في التجربة الأوربية - فهو معيب ومرذول.

أما المسلمون فلهم ميزانهم الخاص، وهو ميزان لا يأتون به من عند أنفسهم، لأن هذه القضايا ليست مما ترك للبشر ليحكموا فيه، بل هي داخلة في عموم قوله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) [2] وقوله تعالى: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) [3] أي أنه سبحانه هو صاحب الأمر، بمقتضى كونه سبحانه هو الخالق. فهو الذي يحل ويحرم، وهو الذي يضع للناس منهاج حياتهم، وهو الذي يقول: هذا حسن وهذا قبيح. هذا مباح وهذا غير مباح، وبمقتضى كونه سبحانه هو اللطيف الخبير، الحكيم العليم، الذي يعلم ما يصلح للإنسان وما لا يصلح له.

وفي الميزان الرباني يوجد نوعان اثنان من الحكم: إما حكم الله، وإما حكم الجاهلية:

(1) سورة يوسف [39] .

(2) سورة يوسف [40] .

(3) سورة الأعراف [54] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت