الصفحة 27 من 59

كان العلمانيون في مبدأ أمرهم يتهمون التطبيق الواقعي ولا يتهمون الدين ذاته .. ثم تجرءوا بعد ذلك فصار بعضهم يتهم الدين ذاته بإيقاع الظلم على الناس .. وسنناقش في الفصل القادم بعض دعاواهم التي يدّعونها في هذا الشأن. إنما نحن في هذا الفصل في حوار مع"المعتدلين!"من العلمانيين الذي يكتفون بإلقاء اللوم على التطبيق!

ويصر العلمانيون جميعًا - معتدلين ومتطرفين - على إبعاد فترة الخلافة الراشدة من دائرة النقاش، بدعوى أنها فترة فريدة لم تكرر في التاريخ، فلا يؤخذ بها، ولا تتخذ مقياسا للحكم الإسلامي. [1] .

ونحن نقرهم على أنها فترة فريدة لم تتكرر - بصورتها الكاملة - في التاريخ. ولكنا - من جهة أخرى - لن نكف عن الاستشهاد بها من أجل دلالتها، لا من أجلها في ذاتها ..

إن المزية الكبرى لهذه الفترة أنها شهدت التطبيق الكامل لهذا الدين. ومن ثمّ فهي صورته الحقيقة مطبقة في عالم الواقع.

ولهذا الأمر دلالتان اثنتان على الأقل. الأولى أن هذا الدين ليس مثاليات معلقة في الفضاء غير قابلة للتطبيق في عالم الواقع، ما دام قد أمكن تطبيقها بالفعل .. والثانية أنه ما دام الذين طبقوها كانوا بشرا - لا ملائكة - ففي طوق البشر إذن أن يطبقوها في أي فترة من فترات التاريخ إذا عزموا على ذلك وأجمعوا أمرهم عليه. وقد وجدت بالفعل نماذج غير قليلة من التطبيق الصحيح لهذا الدين على مدار التاريخ. فلا شيء يمنعنا اليوم من محاولة ذلك. ولن يكون"الدين"هو العائق لنا إذا حاولنا، بل سيكون الدين - بأصوله المنزلة، وصوره المشرقة حين طبق تطبيقًا صحيحًا - هو الدافع والحافز والمعين.

لم يكن الدين إذن هو سبب الطغيان (وسنرجئ النقاش مع متطرفي العلمانيين إلى الفصل القادم) إنما كان السبب سوء التطبيق.

ولكن سنسلم - توفيرًا للجدل - بأن الدين استخدم في بعض العهود ستارًا للاستبداد السياسي. وأن"علماء السلطة"استخدموا الدين لمساندة الطغيان السياسي وإضفاء صفة القداسة عليه، وتخذيل"الجماهير"عن الخروج عليه أو المطالبة بتغييره .. سنسلم بهذا على الرغم من النماذج البارزة التي وعاها التاريخ من قيام علماء أعلامٍ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتصدي لظلم الحكام - وإن أوذوا في سبيل ذلك وسجنوا وعذبوا - وقيام قضاة بإصدار أحكام ضد الحكام أو ضد من يلوذون بهم ممن يستغلون جاههم في إيقاع الظلم بالناس .. ولعل من أروع تلك النماذج ما فعله العز بن عبد السلام من تهديد المماليك - الحكام - ببيعهم في الأسواق، والإنفاق من ثمن بيعهم على الجهاد في سبيل الله إن لم يقوموا هم بالجهاد والإنفاق عليه من أموالهم!

فما الذي نستخلصه من أحداث ذلك التاريخ الذي وقع فيه الاستبداد السياسي؟

نستخلص مجموعة من الحقائق ..

(1) يصل التبجح بببعض العلمانيين أن يتهموا عهد الخلافة الراشدة ذاته بالاستبداد السياسي، مستشهدين بقول عثمان رضي الله عنه للذين طلبوا منه التنحي عن الحكم:"لا أنزع قميصا سربلنيه الله"فيقولون إن عثمان رضي الله عنه كان يحكم بالحق الإلهي المقدس الذي كان سند الطغيان السياسي في أوربا! وعثمان رضي الله عنه لم يقصد بهذه الكلمة إلا أن الله قد منّ عليه بأن تولى الأمر عن رضا واختيارٍ حرٍّ من الأمة وأن الأمة لم تنزع ثقتها منه حتى يتنحى. وإنما المحتجون عليه، المطالبون بتنحيته شرذمة قليلة لا يمثلون رأي الأمة، وهذه كانت الحقيقة، بدليل حماية الصحابة لداره أثناء الفتنة. ولو كانوا يرون عزله لتركوه للثائرين عليه، وإنما هم أخذوا عليه أشياء لا تؤدي في نظرهم إلى عزله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت