الحقيقة الأولى أن"الدين"لم يردع هؤلاء الحكام عن الظلم، وكان ينبغي أن يردعهم عنه .. أما القول بأن هذا الظلم نشأ عن وضع ديني يشبه وضع"الحكومة الثيوقراطية"في تاريخ النصرانية فهو قول لا سند له من الواقع. فعصيان الحكام لأوامر الدين شيء - ولا ينشأ الظلم أساسا إلا من عصيان أوامر الدين - ووضع التشريعات الظالمة باسم الدين أمر آخر، لا يتعلق بالتطبيق ولكن بحق التشريع. فأما المعاصي فهي التي وقعت من حكام المسلمين، وهم يتحملون وزرها ولا شك، وأما التشريعات الظالمة فهي التي وقعت من الحكومة الثيوقراطية التي أعطت نفسها حق الهيمنة الكاملة على أموال الناس وأرواحهم وأفكارهم وعقائدهم ومعلوماتهم وحصائد ألسنتهم، بل خطرات نفوسهم التي لم ينطقوا بها وأكنّوها في صدورهم!
والحقيقة الثانية أن ذلك الاستبداد السياسي وجد سندًا من"علماء السلطة"وكان واجبهم أن يقفوا في وجهة ويقوموه بدلًا من أن يساندوه. وتلك معصية أخرى لأوامر الله ورسوله أنذر الله أصحابها في الكتاب المنزل بالعذاب الأليم:
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [1] .
والحقيقة الثالثة التي هي في نظرنا أهم هذه الحقائق جميعًا هي أن الأمة قد فرطت في دينها يوم استكانت للاستبداد السياسي ولم تقاومه، وتركته حتى رسخ في أرض الواقع، وأصبح كأنه أصل من الأصول!
لا الله أمر بذلك، ولا رسوله صلى الله عليه وسلم.
صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شدد على عدم الخروج المسلح على الحاكم الذي يلتزم بشريعة الله، ولكنه يجور في التطبيق، مخافة الوقوع في الفتنة التي يفوق ضررها جور الحاكم .. ولكنه عليه الصلاة والسلام لم يأمر بالرضى بهذا الجور أو السكوت عليه:
"ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن. ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" [2] .
"إنه يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون. فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضى وتابع" [3] .
"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" [4] .
وقال عليه الصلاة والسلام:"الدين النصيحة"قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال:"لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم" [5] .
ونستخلص من ذلك كله عبرة أخيرة هي لب الموضوع ..
إذا كانت هذه الأمة لسبب من الأسباب قد فرطت في الضمانات الربانية التي يكفلها لها دين الله المنزل، الذي تدخل بطاعته الجنة، ويعرّضها التفريط فيه لعذاب النار، فضلا عما يصيبها في الحياة الدنيا من ذل وانكسار وبوار .. إذا كانت قد فرطت في تلك الضمانات الربانية لسبب من الأسباب، فهل فصل الدين عن السياسة هو الذي سيجعلها تحرص على حقوقها وتمارسها في عالم الواقع؟!
وهذه تجربة الحكم العلماني الذي غرقت فيه الأمة خلال قرن من الزمان أو أكثر .. كم من المظالم السياسية والاجتماعية والاقتصادية ارتكبت فيه؟! فأين ذهبت ضماناته؟! ومتى حرصت الأمة على حقوقها بعد تنحية الحكم بشريعة الله، والحكم"بالدساتير"المجلوبة من الغرب؟!
(1) سورة البقرة [174] .
(2) أخرجه مسلم.
(3) أخرجه مسلم.
(4) أخرجه الشيخان.
(5) أخرجه الشيخان.