إنما قصة الأباطرة الذين حكموا"بالحق الإلهي المقدس"أنهم قالوا في أنفسهم: إذا كان البابوات قد زعموا لأنفسهم حقا إلهيًا مقدسًا استبدوا به علينا وأخضعونا له، فلنزعم لأنفسنا حقا ممائلا، ولنسنده لذات الجهة التي استندوا إليها!! ثم طلعوا على الناس بدعوى مفادها أن الله هو الذي عهد إليهم أن يحكموا الناس، ومن ثم فإنهم يحكمونهم بذلك الحق الإلهي المقدس، وعلى الناس أن يخضعوا لهم في شئون دنياهم كما يخضعون للبابوات في شئون آخرتهم سواء بسواء!
أفيعتبر هذا حكما"دينيا"واستبدادًا باسم الدين، وهو حكم يناوئ الدين ويستقل عنه بسلطانه، ويسعى بكل الوسائل لتقليص نفوذه وحصره في نطاق محدد؟! وهل تعالج هذه الحالة بفصل الدين عن الدولة؟ أم قصارى ذلك أن يكون استبدال طغيان بطغيان؟!.
(أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [1] .
ولنترك التاريخ الأوربي ووقائعه، ولننظر في تاريخنا نحن الحديث ..
هل هؤلاء"العسكر"الذين مارسوا أبشع ألوان الطغيان السياسي، وارتكبوا من الفظائع في السجون والمعتقلات ما لا مثيل له حتى في عالم الوحوش .. هل هؤلاء كانوا يحكمون باسم الدين؟! أم كانوا"علمانيين"يهدفون إلى محو الدين وإبادة أهله، ويتتلمذون في حركتهم على الحكم الشيوعي الذي قام أساسا لتأسيس الإلحاد ومحو الدين من الأرض؟! [2] .
أفبعد هذه النماذج الصارخة يزعم العلمانيون أن الدين هو سبب الطغيان السياسي، وأنه لا علاج لذلك الطغيان إلا بفصل الدين عن الدولة، وإقامة الحكومة العلمانية؟!
سيقول العلمانيون: ما لنا ولهذا الجدل كله؟ لقد وقع الاستبداد السياسي في تاريخ المسلمين، واستخدم الدين لإعطائه صبغة شرعية، وتخذيل المعارضين عن مقاومته .. فلا بد لنا من إقصاء الدين عن السياسة، ليرتاح الناس - أحرار الفكر - من الطغيان باسم الدين!
ونقول: نعم! وقع الاستبداد السياسي في تاريخ المسلمين .. فكيف وقع؟ وما دلالة وجوده؟ وما طريقة علاجه؟
ونسأل ابتداء: هل وقع الاستبداد بسبب الدين؟!
الدين الذي قال منزله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) [3] .
ويأمر بالعدل حتى مع الأعداء الشانئين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [4] . ويأمر بالعدل حتى مع اختلاف الدين: ( .. وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ .. ) [5] . ويقول سبحانه في الحديث القدسي:"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرما بينكم فلا تظالموا .." [6] .
أيمكن أن يكون هذا الدين سببا في الظلم؟!
(1) سورة محمد [24] .
(2) كان معظم هؤلاء العسكر عملاء لأمريكا وإن تظاهروا بأنهم أصدقاء لروسيا وأعداء لأمريكا! فقد كانت هذه اللعبة ذاتها - لعبة التظاهر بعداء أمريكا - جزءًا من الخطة المتفق عليها للضحك على الجماهير (انظر كتاب"لعبة الأمم"لمؤلفه"مابلز كويلاند") ثم إنهم كانوا كلهم - سواء تحيزوا لهذا المعسكر أو ذاك -عملاء للصهيونية العالمية التي كانت تحكم المعسكرين في آن واحد، وتسخرهما لحرب الإسلام!
(3) سورة النساء [58] .
(4) سورة المائدة [8] .
(5) سورة الشورى [15] .
(6) أخرجه مسلم.