الصفحة 25 من 59

إن الغلطة من الأصل هي محاولة وضع الإسلام وتطبيقاته على ميزان التجربة الأوربية، واستخدام المصطلحات الغربية ذات الدلالات المحلية البحتة، كأنها اصطلاحات"إنسانية"أو عالمية، تصلح للتطبيق على أي شيء وفي أي مكان، دون نظر إلى الفروق الجوهرية بين التجربة التي تمت في ظل الدين المزيف، والتجربة التي تمت في ظل الدين الحق، وبين الاصطلاحات التي صنعها البشر في ظروف معينة والمصطلحات التي أنزلها الله لتحكم الحياة، أو اجتهد المجتهدون بها وهم ملتزمون بما أنزل الله.

والمغالطة الثانية أن"رجال الدين"الذين أقاموا"الحكومة الثيوقراطية"في ظل النصرانية المحرفة كانوا"طبقة مقدسة"تستمد قداستها الزائفة من ذلك النص الذي نسبوه للمسيح عليه السلام وهو منه براء، والذي زعموا فيه أن المسيح أعطى حق الحل والربط لحواريّه بطرس، وهذا أعطاه بدوره لآباء الكنيسة من بعده، وأن ما ربطه بطرس - وخلفاؤه من بعده - في الأرض لا يحل في السماء، وما حله في ألأرض لا يربط في السماء. أي إنهم زعموا أن الأرض تحكم السماء، والبشر يحكمون قدر الله ومشيئته .. وهو كفر بواح. بينما أبو بكر رضي الله عنه ومن خَلَفَهُ من الحكام لم يكونوا طبقة معينة، ولم يكن لهم حق التشريع من عند أنفسهم، ولم تكن لهم قداسة ذاتية يتسلطون بها على رقاب الناس مستمدة من"الحكم الديني"تزعم لهم العصمة، وتجعلهم وسطاء بين العباد وربهم، رِضَى الله مرتبط برضاهم، وغضبه مرتبط بغضبهم، وبيدهم مفاتيح الجنة والنار! إنما وقع الاستبداد السياسي - حين وقع - على محور آخر سنتحدث عنه بعد هنيهة، لا علاقة له بحقٍ موروثٍ عن خليفة الرب (نستغفر الله) يحل به الحاكم ما يشاء، ويحرّم ما يشاء، ويدخل في رحمة الله من يشاء، ويحرم منها ما يشاء! وقد كان الذين يقع عليهم الظلم من قِبَل أولئك الحكام المستبدين يقاومونه أحيانا ويُقْهَرون عليه أحيانا، وفي حسهم أنه ظلم لا يرضى الله عنه ولا يقره، وأن الله سيحاسب أولئك الحكام الظلمة على ظلمهم يوم القيامة ويستخلص لهم حقهم منهم على رؤوس الأشهاد، وأنهم مهما ادعوا لظلمهم من مبررات"المصلحة"فلن يحميهم من الله حام. وما أبعد الشقة بين ظلم مغضوب عليه من الله والناس، وظلم مقدس مبارك يُزْعَم له الرضى من الله، ويطلب من الناس الرضى به باسم الدين!

والمغالطة الثالثة أن الاستبداد باسم الدين لم يكن هو الاستبداد الوحيد الذي حدث في التاريخ الأوربي وغير الأوربي حتى يكون علاجه إقصاء الدين عن الهيمنة على واقع الحياة!

إن الأباطرة والملوك والأمراء الذين استبدوا بالناس في أوربا حتى جاءت الثورة الفرنسية فأقصتهم عن سلطانهم، وأقصت رءوسهم عن أجسادهم لم يكونوا يَرْتَدُون زي الدين! بل كانوا ثائرين على الكنيسة الممثلة للدين، مناوئين لها، عاملين على الخروج من سلطانها .. ووصل الأمر بالامبراطور الألماني هنري الرابع الشهير في التاريخ أن خلع البابا"هلد براند"من منصبه، في حركة تحدٍّ محمومة، انتهت به إلى التراجع والاعتذار وطلب المغفرة من البابا، والوقوف ببابه عاري الرأس حافي القدمين في الجليد المتساقط ثلاثة أيام بلياليها، حتىعفا عنه"قداسة البابا"وأعاده إلى"الحظيرة".. حضيرة الرضى والغفران! وإن كان قد كتب بعمليته الانتحارية هذه أول سطر في صفحة التمرد على سلطان الكنيسة، التي انتهت بفصل السلطة الزمنية عن السلطة الروحية وحصر نفوذ البابا في السلطة الروحية وحدها، وانتزاع السلطة الزمنية للأباطرة والملوك والأمراء! [1] .

(1) راجع قصته الطريفة في أي مرجع من مراجع التاريخ الأوربي في العصور الوسطى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت