الصفحة 18 من 59

كانت"العلمانية"كما رأينا في الفصل السابق رد فعل لطغيان الكنيسة، وأثرا من آثار التحريف الذي وقع في دين بولس الذي أخذته أوربا على أنه دين الله ..

ولنُعِد في اختصار أبرز سمات ذلك الدين، التي كانت العلمانية في نظر أوربا هي المخرج الوحيد منها:

دين أخروي يهمل الحياة الدنيا وعمارتها.

دين يحقّر الإنسان بدعوى تمجيد الله.

دين يحقّر الجسد بدعوى تخليص الروح.

دين يحارب العلم.

دين يحجر على العقل أن يفكر.

دين يؤمن بالثبات المطلق - على أنه مشيئة الله في الأرض - فيحارب الحركة والنمو وما يصحبهما من تغيير.

وفوق ذلك كله طغيان الكنيسة الروحي والمالي والسياسي والعلمي والفكري .. وفي كل اتجاه.

ثم لننظر في دين الله، ولنبحث فيه عن سمة من تلك السمات التي ألجأت أوربا إلى العلمانية لتتخلص منها.

فأما إنه دين أخروي يهمل الحياة الدنيا وعمارتها فالواقع التاريخي خير شاهد على عكس ذلك. فما تم من عمارةٍ للأرض، وعمل دءوب فيها، أوضح من أن يشار إليه، بأي مقياس قسنا تلك العمارة وذلك العمل الدءوب.

فإذا كان مقياس العمارة هو بناء المدن ومد الطرق وتشييد المباني وتيسير الخدمات فما أروع ما قام به المسلمون في هذا الجانب ..

وإذا كان مقياسها"المؤسسات"والتنظيمات وحسن الإدارة والسهر عليها فالمدارس التي تقدم التعليم المجاني، والمستشفيات التي تقدم العلاج المجاني، والأوقاف الموقوفة على أعمال البر، ودواوين الجيش، ودواوين القضاء، ودواوين المظالم، ودواوين الحسبة، وبيت المال وغيرها من المؤسسات والتنظيمات تغنينا عن الحديث.

وإذا كان مقياسها القيم الروحية والأخلاقية، فهنا تنفرد العمارة الإسلامية للأرض بأنها هي التي قدمت حضارة لا تكتفي بالعمارة المادية للأرض، إنما ربطت نشاطها المادي بالقيم الروحية، فعملت للدنيا والآخرة في آن واحد، وأرضت مطالب الجسد ومطالب الروح في آن واحد، وكونت مجتمعًا امّحت فيه فوارق اللون واللغة والجنس، واجتمع على العقيدة الواحدة التي تربط الجميع برباط الأخوّة في الدين .. مجتمعًا فريدًا في التاريخ.

وإذا كان مقياسها إحساس لإنسان بذاته، واعتزازه بعمله ونشاطه، وبأنه فرد في أمة ذات رسالة تؤديها لنفسها وللبشرية، وانسياح الإنسان في الأرض وبحثه في مجاهلها، وحمله نور الهداية إلى أطرافها .. فقد قامت الأمة الإسلامية بذلك أروع قيام .. وكان نشاطها كله منبثقا من إيمانها بهذا الدين، وممارستها له في عالم الواقع في شكل سلوك ووجدانات ومشاعر.

وإذا كان مقياسها التقدم العلمي فحدث عن ذلك ولا حرج .. وتكفي حضارة الأندلس شاهدا، ويكفي المنهج التجريبي في البحث العلمي شاهدًا، وتكفي علوم القرآن وعلوم الحديث وعلوم الفقه وأصوله .. وكلها جهود ذاتية غير مسبوقة، تفردت بها الأمة الإسلامية، وأنتجت فيها في قرون معدودة ما يغطي حقبًا من التاريخ!

وأما تحقير الإنسان بدعوى تمجيد الله .. فما من دين عظّم الله ومجده على استقامة في المشاعر وفي السلوك وفي التصور وفي الأداء كما فعل الإسلام، إذا قارناه بتصورات اليهودية المحرفة التي تصور الله سبحانه وتعالى كأنما هو بشر ذو نزوات، وكأنما هو - في بعض الأحيان - أعجز من البشر:

(وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ) [1] .

(لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) [2] .

(1) سورة المائدة [64] .

(2) سورة آل عمران [181] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت