الصفحة 17 من 59

أي إنه - بعبارة أخرى - الإيمان بوحدانية الله سبحانه وتعالى، وتفرده - سبحانه - في أسمائه وصفاته وأفعاله. وتوجيه كل ألوان العبادة من صلاة وصيام وزكاة وحج ونذر وذبح واستغاثة واستعانة وولاء وبراء إليه وحده دون شريك. والالتزام بشرعه وحده وعدم التشريع بما يخالف شريعته .. ثم الالتزام بأخلاقيات لا إله إلا الله، والالتزام بالمنهج الرباني في كل أمور الحياة: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية .. إلخ [1] .

ومع أن هذا كله هو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإنه ليس على درجة واحدة من الإلزام، وليست مخالفته والخروج عليه بمنزلة واحدة في ميزان الله.

ففي مقابل الجذور الرئيسية الثلاثة للشرك، توجد جذور رئيسية ثلاثة للإيمان لا يتحقق الإيمان أصلا إلا بوجودها، وهي ما يتعلق بالاعتقاد، والعبادة، والتشريع.

1 -"أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره"كما جاء في حديث:"هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم" [2] .

2 -أن تلتزم بالعبادات المفروضة وتجعلها خالصة لله وحده دون شريك.

3 -أن تحتكم في أمورك كلها إلى ما أنزل الله، ولا تحدث تشريعا يخالف شريعة الله.

وفي مقابل"متعلقات الشرك"توجد"متعلقات للإيمان"لا يخرج مخالفها من دائرة الإيمان وإنما ينقص إيمانه بمقدار ما يعصي الله فيها ويزيد إيمانه بقدر ما يأتي من الطاعات فيها، ولكنه في الحالين غير خارج عن دائرة الإيمان.

ذلك هو الدين الحق، كما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وقد غشّت غواشٍ كثيرة على هذا الفهم الواضح للدين خلال القرون، من الفكر الإرجائي، والفكر الصوفي، والبدع والمعاصي والانحرافات والغزو الفكري فشوهت كثيرا من مفاهيم الدين الاعتقادية والتعبدية والعملية .. [3] .

ثم جاءت"العلمانية"- وهي لون من ألوان الغزو الفكري - فركزت على مطلب معين لم يطلبه أحد من العصاة المنحرفين من قبل، وهو فصل الدين عن الدولة وإخراج السياسة من الدين، والمطالبة بعدم تحكيم شريعة الله!!

وهذا الأمر هو الموضوع الرئيسي لهذا الكتاب ..

نقول ابتداء إنه لون من ألوان الغزو الفكري، لأنه فكر غربي لم ينبت قط في أرض الإسلام، على كثرة ما نبت فيها من انحرافات خلال القرون! إنما جاء من تأثير الثقافة الغربية، وغلبة أوربا على العالم كله، وعلى العالم الإسلامي في عصر ضعفه وانحساره وتخاذله.

ولا شك أن الهزيمة الروحية التي أصابت المسلمين بعد الهزيمة العسكرية أمام الغرب، والتي نشأت من الخواء الذي أصاب العقيدة في قلوب المسلمين في العهود الأخيرة [4] ، لا شك أن تلك الهزيمة الروحية هي التي يسرت في نفوس المنهزمين تقبل هذا الفكر الغريب الذي لا أصل له في دين الله، ولا يمكن أن يُتَقَبّلَ في دين الله .. وإلا فقد كان المسلمون - في أيام قوتهم وتمكنهم في الأرض - معتزين بدينهم، لا يقبلون تغييرًا في أصوله، حتى لو عَصَوْا بعض أوامره وتعاليمه في واقع حياتهم، فالمعصية مع الإقرار شيء، وإنكار الأمر من الأساس شيء آخر ..

ونريد هنا على أي حال أن نناقش الأمر مناقشة موضوعية، كما وعدنا في مقدمة الكتاب، بصرف النظر عن دوافع العلمانيين أو مواقفهم، فتلك أمور تتعلق بأشخاصهم، ونحن هنا نناقش أفكارهم.

(1) راجع إن شئت فصل"مقتضيات لا إله إلا الله في الرسالة المحمدية"من كتاب"لا إله إلا الله عقيدة وشريعة ومنهاج حياة".

(2) أخرجه الشيخان.

(3) راجع إن شئت كتاب"مفاهيم ينبغي أن تصحح".

(4) اقرأ إن شئت فصل"خط الانحراف"وفصل"آثار الانحراف"من كتاب"واقعنا المعاصر".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت