إن النفس البشرية وحدة . والسماء والأرض وحدة . وفصل السماء عن الأرض في الحس البشري ، وما يقابله من فصل الجانب الروحي عن الجانب المادي من الإنسان ، لا بد أن تترتب عليه نتائجه"الحتمية". فكلا الجانبين المعزولين ، سواء الذي كبت منذ البدء ، والذي نمى أكثر من طاقته .. لا بد في النهاية أن يذبلا معًا .. لأنهما منفصلان ! وذلك مغزى الكلمة الصادقة التي يقولها ألكسس كاريل ، ويؤكدها في كتابه بشتى أنواع التوكيد"العلمي"القائم على الدراسة والمشاهدات .
فصمت الحضارة الغربية ما بين الإنسان والله . فماذا كانت النتيجة ؟
تقدم العلم . ونظمت الحياة على الأرض أرقى أنواع التنظيم .. وخيل للناس هناك أن هذا التقدم والرقي هو حصيلة ذلك الفصام (1) !
ذلك وهم أنشأته الظروف والملابسات هناك !
فالتقدم العلمي ليس عدوا للدين . وكذلك تنظيم الحياة على الأرض !
قد يكون هذا وذاك عدوا للمفهوم الكنسي للدين أو لرجال الدين والكنيسة . ولكنه ليس عدوًا"للدين"ذاته . ليس عدوًا لدين الله . فدين الله لا يمكن أن يقف في سبيل البشر ، وهو الذي نزل لإصلاح البشرية .
والدليل هو الإسلام !
فالحركة العلمية الكبرى التي نشأ عنها المذهب التجريبي .. أو العلم الحديث في أوربا ، قد نشأت في ظل الإسلام ، بل نشأت من وحي الإسلام وتوجيه الإسلام !
فالعرب - من قبل - لم يكونوا أهل علم . والعلوم اليونانية التي أخذ المسلمون عنها وتتلمذوا عليها بادئ الأمر لم تكن في ذاتها تنحو نحو التجريب ، كما قال بريفولت ودريبر (2) ، ولم تكن - بذاتها - تحدث تلك النهضة . إنما التوجيه الإسلامي هو الذي حولها من التأمل إلى التجريب .. ومن ثم تقدمت تقدما كبيرا بحساب ذلك الزمان .
(1) اقرأ فصل"الفصام النكد"في كتاب"المستقبل لهذا الدين".
(2) راجع ص 177 - 179 .