أما المتخرجون من المدارس الدينية فقد جعلهم المستعمر الذي بيده زمام الأمور في ذلك الوقت بمخططه، مجموعات من الوعاظ والفقهاء المساكين الذين يعيشون على صدقات المحسنين وأوقافهم وهذا أيضًا من العوامل التي شجعت أكثر الناس على العزوف عن التعليم الديني والانكباب على الدنيوي العصري بعجره وبجره دون تمييز..
ومع هذا وبالإضافة إلى أسلوب التربية السىء المتعمد، لم يشأ دنلوب أن يخلو مدارسة تمامًا من الدين ـ ولو فعل ذلك لكان أفضل ـ بل قرر مادة"دين"لكنه جعلها مادة ثانوية في قيمتها الدراسية ثم أن حصصها كانت"توضع في نهاية اليوم المدرسي وقد كَلّ التلاميذ وملّو وحنّوا إلى الإنفلات من سجن المدرسة البغيض إلى فسحة الشارع أو رحب البيت (1) ، وكانت هذه الحصص توكل إلى اسن مدرس في المدرسة، يسعل ويتفل، ويمثل أمام التلاميذ ضعف الحياة الفانية المنهارة.. فيرتبط الدين في وجدانهم بالعجز والفناء والشيخوخة، كما يرتبط بالملل والضجر والنفور."
وقرر كذلك ـ لغاية خبيثة ـ مادة"لغة عربية"، وفي الوقت الذي كان فيه مدرس اللغة الإنجليزية يتقاضى مرتبًا شهريًا إثني عشر جنيهًا كاملة كان زمليه مدرس اللغة العربية لا يقبض سوى أربعة جنيهات، مما جعل الفرق بينهما في المكانة الاجتماعية شاسعًا، وجعل العربية في ذاتها موضع الإحتقار والازدراء.
وليس أنكى من ذلك إلاَّ المناهج التي كانت تدرس في مدارس الحكومة والتي كانت مملوءة بالطغن والسموم فيما يتعليق بأوروبا وتاريخها وحضارتها ) (2) .
(1) لاحظ أن هذه المفاسد والمخططات الخبيثة لازالت إلى اليوم على حالها في مدارس أذناب المستعمر.
(2) أنظر كتاب ( العلمانية ) لسفر الحوالى، و ( هل نحن مسلمون ) و (واقعننا المعاصر) لمحمد قطب فقد نقلت منها جميعًا هنا..