فالاستعمار وأذنابه اليوم - كما قال أحد شعراء الهند المسلمين - أذكى من فرعون الذي استخدم سياسة قتل الأولاد ، ولم يفتح لهم مدارس وكليات تقتلهم من حيث لا يشعرون كما فعل المستعمرون !!
( ومما لا شك فيه أن هذه المدارس كان لها أعظم الأثر في توجيه النهضة الفكرية وجهة لا دينية ، وتوسيع الهوة بين التعليم الديني واللاديني .
أما قتل التعليم الديني والسيطرة عليه فأقوى الشواهد عليه المخطط البطيء الماكر الذي وضعه الاستعمار البريطاني نفسه متمثلا بكرومر ووزيره القسيس دنلوب في مصر ، والذي استخدم أحدث ما وصلت إليه التربية وعلم النفس في عصره لإخراج جيل ممسوخ قابل للإستعباد .
فتح دنلوب مدارس ابتدائية تدرس العلوم المدنية وتعلم اللغة الإنجليزية - لغة الاستعمار - وتخرّج موظفين كتبة في الدواوين التي يحتلها ويديرها الإنجليز ؛ يقبضون رواتب تعد بالجنيهات لا بالقروش .
ولم يكن الأمر في حاجة إلى مزيد من الإغراء ؛ فمن ذا الذي يبعث بابنه بعد اليوم إلى الأزهر إلاّ الفقراء العاجزين عن دفع المصروفات، وهو يرى له المستقبل المضمون في وظيفة الحكومة حيث"يرطن"بلغة السادة المستعمرين؟
وانصرف الناس القادرون ـ من ذوات أنفسهم ـ عن الأزهر، واتجهوا إلى مدارس الحكومة بعد تردد سببه النفرة الداخلية للمسلم من هذه المدارس"الكافرة"التي لا تعلم القرآن ولا تعلم الدين، ولكن مالبثوا أن اندفعوا إليها أفواجًا بعدما رأوا بأم أعينهم أن المتخرجين من تلك المدارس قد أصبحوا"طبقة"جديدة مرموقة من رجالات العصر تستمد وجاهتها من مركزها الاجتماعي في وظيفة الحكومة ومن التشجيع الظاهر والخفي الذي تلقاه من سلطات الاستعمار بعد هذا وذلك.