وقال أيضًا: قد يمرض القلب ويشتد مرضه ولا يعرف به صاحبه، لاشتغاله وانصرافه عن معرفة صحته وأسبابه بل قد يموت وصاحبه لا يشعر بموته وعلامة ذلك أنه لا تؤلمه جراحات القبائح ولا يرجعه جهله بالحق وعقائده الباطلة فإن القلب إذا كان فيه حياة تألم بورود القبيح عليه، وتألم بجهله بالحق بحسب حياته- وما لجرح يميت إيلام- وقد يشعر مرضه ولا يشتد عليه تحمل مرارة الدواء والصبر عليها فهو يؤثر بقاء ألمه على مشقة الدواء، فإن دواؤه في مخالفة الهوى وذلك أصعب شئ على النفس وليس لها أنفع منه. وتارة يوطن نفسه على الصبر ثم ينفسخ عزمه ولا يستمر معه لضعف علمه وبصيرته وصبره كمن دخل في طريق مخوف مفضي إلى غاية الأمن، وهو يعلم إن صبر عليه انقضى الخوف واعقبه الأمن فهو محتاج إلى قوة صبر وقوة يقين بما يصير إليه ومتى ضعف صبره ويقينه رجع من الطريق ولم يتحمل ولا سيما إن عدم الرفيق واستوحش من الوحده وجعل يقول: أين ذهب الناس فلي بهم أسوة وهذه حال أكثر الخلق وهى التى أهلكتهم فالبصير الصادق لا يستوحش من قلة الرقيق ولا من فقده إذا استشعر قلبه مرافقة الرعيل الأول الذين أنعم اللَّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. فتفرد العبد في طريق طلبه دليل على صدق الطلب"أ. هـ."
ونختم قولنا بما قاله ابن القيم أيضًا في آخر كتابه مدارج السالكين:"فيا أيها القارئ له، لك غنمه وعلى مؤلفه غرمه لك ثمرته وعليه تبعته. فما وجدت فيه من صواب وحق فاقبله ولا تلتفت إلى قائلة. بل انظر إلى ما قال لا إلى من قال. وقد ذم اللَّه تعالى من يرد الحق إذا جاء به من يبغضه. ويقبله إذا قاله من يحبه. فهذا خلق الأمة الغضبية. قال بعض الصحابة"أقبل الحق ممن قاله وإن كان بغيضًا. ورد الباطل على من قاله وإن كان حبيبًا". وما وجدت فيه من خطأ فإن قائلة لم يأل جهد الإصابة ويأبى اللَّه إلا أن يتفرد بالكمال كما قيل:"