الصفحة 45 من 136

وسألت علية وماذا بعد ذلك؟ قالت يتهامس الناس على اعتقال عشرين ألفًا من المشيعين. نعم لقد كانت جنازة النحاس أذان حق واعلان صدق عن سريرة مصر والمشاعر الحبيسة في نفوس أبنائها والحرية المكبوتة. وشدني الحديث إلى ذكريات كثيرة عن مصطفى النحاس، ذلك الرجل الذي لم يحقد يومًا على أعدائه، وكان لا يعز عليه أن يعترف بالخطأ إذا أخطأ، لقد كان زعيمًا وطنيًا. وسألت محدثتي هل اعتقل أخي"سيف الغزالي"الوفدي فلم تؤكد علية ولم تنف، وساد الصمت فظنت بي خوفًا على أخي فربتت على كتفي قائلة: يا حاجة كل شئ عنده بمقدار. لم يكن بي خوف ولكن كان انشغالي بهذه الصورة الرائعة للجنازة. فقد كانت صورة التشييع كما نقلتها لي علية تعطي إشارة صريحة وقوية إلى أن نبض هذه الأمة لم يتوقف رغم كل إيحاءات أجهزة الإعلام التي خدعت الناس وبخاصة خارج مصر فظنوا الطاغوت إنسانًا أو كما علقت عليه علية ـ ظنوه المنقذ - ما حدث كان يعني أنه ـ بإذن الله ـ سيأتي اليوم الذي تكشف فيه الحقائق ليعلم الناس حقيقة حكامهم وما يبيعون وما يشترون، يبيعون شعوبهم وضمائرهم ويشترون مقاعد للحكم مقابل سحق الإسلام والمسلمين، إنه لتخطيط رهيب! وانصرفت إلى غادة أسألها عن زوجها وأولادها ووالديها. ومن بين دموعها عرفت أن الزوج هرب لاجئا إلى السودان، وأن الأم مريضة تائهة بين سمية المريضة وهالة الرضيعة. وأنها ما كانت لتهتم بشيء لولا الطفلتين. هدأتها ودعوت للجميع ثم سألتها عن ضياء الطوبجي وهل تم زفافه؟ وكان الجواب أنهم قبضوا عليه ويده في يد عروسته والمأذون، وقبضوا على عروسته وهى في ملابس الزفاف وعلى أخته منى وأخيه الدكتور. وهزني نبأ القبض على الفتيات وتساءلت: إذن كان القصد هو القبض على كل من له اتصال بالإخوان. وتدخلت علية لتقول: بل على كل من يرى مؤديا للصلاة. وبدأت غادة تحدثني عن الاعتقالات والوحشية في تفتيش المنازل ليلا ونهارا ولم أكن بحاجة إلى هذا الحديث فقد حدث هذا معي واكثر. قلت: أعتقد أن التتار حين حاربوا الإسلام لم يفعلوا ما فعله عبد الناصر وزبانيته، ولا الرومان حين كانوا في مصر قبل الفتح الإسلامي. لقد أنسانا الحكم الناصري فجور المجرمين في التاريخ الإنساني كله. إنه مارد أصم عن سماع الحق أعمى عن رؤية النور. فلا عجب أن يجلد النساء ويسجنهن ويقتل الرجال وييتم الأطفال ويرمل النساء!! والحديث بمرارته وما فيه من شجون وأسى كان الواقع يحكى ذلك كله. والتفتت إلى تحدق بي وتغوص بعينيها في قدمي المنتفختين وساقي المتورمة وقالت: أظن أن دورنا في التعذيب قد جاء يا حاجة، ربنا يعيننا ويصبرنا. وسآتيك بفوطة من حقيبتي أغطى بها رجليك، أليس معك حقيبة ملابس يا حاجة؟

ظللت: ثمانية عشر يوما وأنا في هذه الملابس الملوثة بدماء النزيف كما ترين يا ابنتي. وأخذت غادة تبكى وهى تنظر إلى ملابسي المجمدة بالدم والصديد فوق جسمي. واقترحت على أن تغير ملابسي بما معها هي ولما رفعت الملابس الممزقة عن جسدي فوجئنا بآثار السياط تمزقه وكانت صيحة استنكار وألم، فهذا مما لا يمكن أن يحدث مع النساء في نظرهما. . وحاولت أن أخفف عنهما ما رأتا فحمدت الله على أن كان هذا في سبيله سبحانه وتعالى، لا في سبيل أي دعوة دنيوية أو إلحادية، حمدته على أن أكرمنا بالإسلام وحمدته على أن شرفنا بمظلة: أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبد لله ورسوله"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت