وأرادت علية أن تغير الموضوع وأن تخرج بي خارج الأسوار، ونقلت لي نبأ وفاة مصطفى النحاس باشا. وخنقتني عبارات الوفاء وأنا أدعو ربي"اللهم إنك غني عن عقابه وهو فقير إلى رحمتك، اللهم فارحمه"وعرفت منها أنه مات بعد دخولي السجن بيومين أو ثلاثة. وحدثتني عن جنازته، وعن الألوف المؤلفة التي التي كانت تسد جميع الطرقات، عن المظاهرات، عن خطف النعش حتى مسجد الحسين، عن الهتافات بألا زعيم بعد النحاس، عن بعض شعارات الإخوان وسط مسيرة الجنازة، عن محاولة أجهزة الدولة الوقوف أمام هذا الطوفان، عن تعليق الإعلام الخارجي على ما حدث .. وكان حديثًا طويلًا مطمئنًا صريحًا. لقد انتهزت جماهير الشعب فرصة وفاة النحاس لتبدي رأيها صريحًا واعتقادها سليمًا فهتفت معلنة مدوية تشق بهتافها سماء مصر:"لا زعيم بعدك يا نحاس". فكأنها بتلك الصرخات المدوية تعبر عن حرمان مكبوت في النفوس والقلوب والمشاعر. والوجدان فكأنها تقول:"أيتها الزعامات الباطلة أسقطي""أيتها الأقنعة الزائفة انكشف الغطاء ووضح خداعك وغشك""أيها المنقذ أغرقك السراب والوهم""يا حبيب الملايينأمرت الفجار فزيفوها فصدقتهم وما أنت إلا وليد إعلام مأجور وكاتب مأمور""أيتها الخشب المسندة ستحرقك النار .. نار الحق فتصبحوا رمادًا تذروه الرياح يا سرابًا وأهل الحق ظمأى".