والأمر الثاني: هو تلك الرؤيا المباركة التي كانت بمثابة تخفيف وزاد ودفعة حياة من الله تعالى، عشت بها مشغولة به عن الأغيار المحيطة بي، وجعلتني أحتمل في رضا وسكينة جحيم هؤلاء الطواغيت. . وفى صبيحة اليوم السابع فتح باب الزنزانة ودخل الشيطان الأسود وبيده ربع رغيف ملوث بقذارة من فضلات الإنسان وقطعة من الجبن الأصفر كذلك. ورمى بهما إلى الأرض وقال يا بنت الـ. . ده أكلك ما دمت عايشة. لم أمس الخبز ولا الجبن وأخذت الماء وأغمضت عيني لشدة قذارة إنائه وسددت أنفى، ورفعت الماء إلى فمي وأنا أقول:"بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم"."اللهم اجعله غذاءً وريا، وجهادا وعلما، ومعرفة وصبرا ورضا". وشربت من الكوز وأغلقت الزنزانة. ومكثت على حالي إلى ما قبل غروب الشمس. حين فتحت الزنزانة ودخل الشيطان الأسود. وقال وهو يضرب بالسوط الذي في يده - على الحائط وعلى أرض الزنزانة: قومي يابنت الـ .. روحي المراحيض .. وعندما خرجت كدت أن أسقط على الأرض لشدة إعيائي فأمسك بذراعي ومشى بي حتى أدخلني المرحاض، ولما أردت اغلاق باب المرحاض قال: ممنوع اغلاقه، فخرجت من المرحاض وقلت له: أرجعني إلى الزنزانة لا أريد شيئًا. قال في وحشية والجاهلية تغطي عليه وعلى المكان. أدخلي يا بنت الـ. . أمال إحنا حانحرسكم إزاي يا أولاد. . . . أريد من القارئ أن يتصور معي هذا الموقف؟! أي جاهلية وأي إلحاد يبيح ذلك؟. عدت إلى الزنزانة وأنا أتمنى الموت إن كان الموت خيرا لي. حتى لا أضطر مر ة أخرى إلى الذهاب إلى دورة المياه مع هذا الشيطان، أغلقت الزنزانة فتيممت وصليت المغرب. وما أن انتهيت حتى فتح باب الزنزانة ودخل الوحش الذي أدخلني من قبل حجرة الكلاب ويدعى صفوت الروبي، ومعه شخصان. ثم قال أتفضل يا دكتور. تولى أحدهم الكشف على وأنا على إسفلت الزنزانة. قال واحد من الواقفين للذي يكشف على: إيه يا شعراوي؟ أجاب: لا شيء قلبها سليم. ذلك القلب الذي أصيب بجلطة من التعذيب. وخرجوا وأغلقت الزنزانة. وبعد دقائق فتحت الزنزانة وأخذوني إلى حوش مرعب مظلم مخيف وتركوني ساعتين تقريبا. وجهي للحائط بعد أن أمروني بعدم التحرك. وقالوا لي وهم يغلقون على باب الحوش: أجلك انتهى النهاردة! يا بنت الـ. . أخذت أفكر فعلا فيما يقولون وأطلب من الله السكينة والأمن وأن ألقاه على الإسلام، وأخذت أتلو فاتحة الكتاب وسورة البقرة وأنا أحس وكآني أقرأها للمرة الأولى. واصلت بالتلاوة حتى أيقظتني من استغراقي صفعة من يد غليظة قاسية وصعق الكهرباء، وأخذ هذا الوحش يضربني بقسوة بالسوط على جسدي حيثما وقع، ثم أعطاني ثلاث ورقات بيضاء وقال: والظلمة تتساقط من وجهه كأنما في عينيه شيطان: إكتبى هذه الأوراق! ودخل ثلاثة رجال يأمرونه أن يعيد ضربي ويعلقون:"حتى لا تنسى أن تكتبي ما نريد يا بنت الـ. . .."ثم أمروه بعد فترة بإيقاف الضرب وأمسك بي أحدهم في غلظة ورمى بي إلى الحائط. عرفت فيما بعد أنه حمزة البسيوني. وتلقفني آخر، ويدعى سعد خليل فأخذ يهزني هزا عنيفا حتى أسقطني على الأرض وأمر العسكري أن يركلني بقدمه. ثم جاءوا بمقعد أجلسوني عليه وأعطوني الأوراق وأنا لا أستطيع أن أمسكها لشدة ما بي، وقاومت وأمسكتها والألم يعتصرني. وصاح بي أحد هؤلاء الأقزام: اكتبي أسماء كل من تعرفين في السعودية. في السودان. في لبنان، في الأردن. في أي مكان في العالم. اكتبي كل معارفك على وجه الأرض، إذا لم تكتبي فسنضربك بالرصاص في هذا المكان الذي تقفين فيه. اكتبي كل معارفك من الإخوان المسلمين وكل شئ عن صلتك بهم. وقدموا لي قلما ثم أغلقوا الباب وخرجوا.