كان أول لقاء لي به في عام 1957 وفي موسم الحج. كنت في ميناء السويس على رأس بعثة الحج لجماعة السيدات المسلمات، وكان معي في المودعين شقيقي محمد الغزالي الجبيلي فوجدته مقبلًا عليّ في صحبة إنسان يكسو وجهه نور ومهابة يغض بصره، قدمه لي أخي قائلًا: الأخ عبد الفتاح إسماعيل، كان من أحب شباب الإخوان إلى الإمام الشهيد حسن البنا، كان فضيلة المرشد يحبه ويؤثره وله فيه ثقة مطلقة، وقد طلب مني أن أقدمه لك بهذه الصورة حتى تعرفيه، وحياني الأخ وهو يقول سأكون إنشاء الله معكم في الباخرة، فرحبت به وانصرف، وصعدنا إلى الباخرة وتحركت بعيدًا عن الشاطئ وانشغلت بمطالب البعثة، بعثة حج السيدات المسلمات. وعندما ذهبت إلى حجرتي بعد تناول الغداء، سمعت طرقات على الباب، أذنت بالدخول فتكرر الطرق ثانية ولكن الطارق كان يذهب بعيدًا عن فتحة الباب، ولما سمع صوتي يأذن بالدخول للمرة الثالثة. دخل فوجدته الأخ الذي قدمه لي شقيقي على رصيف الميناء .. قال في إخبات وهو يطرق إلى الأرض بعد أن ألقى عليّ السلام .. أنا أعلم بحمد الله أن بينك وبين الإمام الشهيد حسن البنا بيعة بعد طول خلاف، ولما سألته عن مصدر معلوماته أجاب: الإمام الشهيد نفسه طيب الله ثراه .. فسألته عما يريد، أجاب: أن نلتقي في مكة لوجه الله نتحدث فيما كان البنا يريده منك إن شاء الله. كانت كلمات سهلة العبارات طيبة النوايا لينة، لكنها مع بساطتها قوية صادقة ثقيلة التكاليف تحمل معنى الأمر ولا تترك مجالًا للتفكير. قلت إنشاء الله في دار بعثة السيدات المسلمات بمكة أو بجدة، ولما سأل عن العناوين حدثته عن أخوين في جدة قال إنه يعرفهما وهما الشيخ العشماوي ومصطفى العالم وكلاهما يستطيع أن يرشده إلى مكان إقامتي بمكة وجدة. حياني الأخ وانصرف.
وفي ليلة من ليالي ذي الحجة كنت على موعد بعد صلاة العشاء مع فضيلة المرحوم الشيخ الإمام محمد بن إبراهيم المفتي الأكبر للملكة العربية السعودية حينذاك .. وكنا نبحث معًا مذكرة قدمتها لجلالة الملك أشرح له فيها ضرورة تعليم البنات في المملكة، وأطلب منه الإسراع في تنفيذ هذا المشروع، مبينة مصلحة المملكة في ذلك، وحولت المذكرة على فضيلة المفتي الذي طلب مقابلتي. وقضيت ساعتين أبحث المشروع معه. وعند انصرافي من مجلسه، أخذت طريقي إلى باب السلام وكان في نيتي أن أطوف حين أوقفني صوت يناديني باسمي محييا بتحية الإسلام، والتفت فإذا به عبد الفتاح إسماعيل وسألني عن وجهتي ولما عرف أنها الطواف ثم دار البعثة صحبني إلى المسجد وطفنا بالبيت معًا وبعد صلاة سنة الطواف جلسنا تجاه الملتزم وأخذ يتحدث فيما يريد.