وفي عام 1955رأيت نفسي مجندة لخدمة الدعوة الإسلامية بغير دعوة من أحد فقد كانت صرخات اليتامى الذين فقدوا آباءهم بالتعذيب ودموع النساء اللاتي ترملن وأزواجهن خلف قضبان السجون. والآباء والأمهات من الشيوخ الذين فقدوا فلذات أكبادهم. كانت هذه الصرخات والدموع تنفذ إلى أعماقي. ووجدت نفسي وكأني من المسئولين عن ضياع الجياع وجراح المعذبين. وأخذت أقدم القليل.
ولكن أعداد الجياع تزداد يومًا بعد يوم. وأعداد العرايا كذلك. وأخبار الشهداء الذين يقضى عليهم تحت سياط الفجرة المارقين القساة الجاحدين. والمدارس والجامعات تتطلب مصاريف وأدوات وملابس. وأصحاب المنازل يطالبون بإيجار منازلهم. وزادت المشكلة تعقيدًا وثقل الحمل على حامله. واتسع الخرق على الراقع وبخاصة بعد عام ونصف. وبالتحديد في منتصف 1956 حينما خرج بعض أعداد من المعتقلين الذين لم يحكم عليهم. كان البعض منهم في اشد الحاجة لمن يزوده بالمال والطعام والملابس والمأوى. كل هذا والمسلمون في هذا البلد الطيب في مصر التي نكبت بمن قاد الانقلاب ليس فيهم من يعي واجبه. بل على العكس من ذلك وجدنا كثيرًا من علماء وشيوخ الدين يتبرءون من المجاهدين ...
كان الجميع من المتفرجين على ما يحدث. حتى الذين يبكون للمأساة ويتألمون كانوا يكتمون آلامهم ويخفون دموعهم خشية أن يتهمهم الطاغية بأنهم مسلمون. ولما اشتد بي الألم على ما وصلت إليه الأمور. ولم أجد لنفسي مخرجًا. ذهبت لزيارة أستاذي الجليل صاحب الفضيلة الشيخ محمد الأودن. وهو من القلة القليلة التقية النقية من رجال الأزهر. وكنت أستشيره في كل ما يعرض لي من أمور الدعوة وعلوم الإسلام. وكان يعتقد معي أن عدم اندماج السيدات المسلمات ربما يخدم الإخوان في فترة مقبلة. وقد كان يعلم ببيعتي للبنا ويباركها ويؤيدها كما كان يعلم ولائي للدعوة بعد استشهاد البنا وقبله. وجلست إليه أحدثه عن مأساة الأسر. كان يستمع إليّ في ألم شديد. وأنهيت حديثي بعرض ما فكرت في عمله في حدود إمكانياتي. وكنت أرى أنه لا يكفي أن نتألم وجراح الجوع وجراح السياط وجراح العرايا وتشرد النساء والأطفال يجرى بقسوة وشدة في دوائر حياة الدعاة والملبين والمجاهدين لتكون كلمة الله هي العليا. وأرى أني أستطيع كرئيسة للسيدات المسلمات أن أقدم العون إن شاء الله لأسر الإخوان بما يمكني الله فيه. فقبل فضيلته رأسي وهو يبكي قائلًا لي: لا تترددي في أي عون. والله هو المبارك للخطى. وعدت لأوضح له موقفي في الجماعة والثقة المطلقة في شخصي من السيدات المسلمات أعضاء الجماعة فقال لي فضيلته: قد أصبح فرضًا حتميًا عليك أن لا تبخلي بجهد في هذا الطريق وما تقومين به اجعليه بينك وبين الله تبارك وتعالى ثم أضاف: إن المنقذ الوحيد بأمر الله للإسلام هم هؤلاء المعذبون"الإخوان المسلمون"لا أمل لنا إلا في الله ثم في إخلاصهم وما يبذلون في سبيل الدعوة. اعملي يا زينب كل ما تستطيعين عمله. وعملت فعلًا ما أستطيع. وبذلت جهدي في أن أقدم شيئًا ولم يشعر أحد أني أفعل شيئًا. فقد كان فرد أو فردان هما اللذان أُسلمهما ما أستطيع على أنها أشياء مرسلة لي وأنا مكلفة بنقلها إليهم فقط.