ومرت الأيام وجاءت أحداث 1954 ونكباتها ومخا زيها التي أسقطت القناع عن وجه جمال عبد الناصر لتظهر عدائه للإسلام ومحاربته له في شخوص دعاته وقيادات نهضته، وصدرت أحكام الإعدام البشعة على قمم القيادات الإسلامية: الشهيد المستشار عبد القدر عودة، صاحب الفضيلة العالم الأزهري الورع الذي رصدت القيادة البريطانية في القنال عام 1951 عشرة آلاف جنيه لمن يأتي به حيًا أو ميتًا: الشيخ محمد فرغلي الذي أُهدي للاستعمار ميتًا دون أن تخسر الخزينة البريطانية مبلغ المكافأة، وباقي الشهداء الكرام. حتى المجاهد الكبير الإمام حسن الهضيبي حكموا عليه بالإعدام، ولم ينفذ، فقد أصيب فجأة بذبحة شديدة بالقلب نقل على أثرها للمنزل وقرر الأطباء أنه لن يعيش إلا ساعات، وهنا ظهر عبد الناصر فأصدر عنه عفوًا، متوقعًا أن يقرأ نعيه في الصحف صباح اليوم التالي. ولكن قدرة الله أحبطت كيده، وعاش الإمام. فلكل أجل كتاب، نعم عاش، ليؤدي بعد ذلك خدمات للمسلمين ويقود الدعوة الإسلامية في أحلك أيام شهدتها الدعوة، وقد أظهر قوة الصلابة في الحق وهو المريض بعدة أمراض مما أذهل الجلادين وجعلهم يقودونه إلى السجن الحربي مرة أخرى ويعذبونه بأبشع أنواع التعذيب، ولكنه ظل متمسكًا بالحق سائرًا على طريق أصحاب الدعوات إلى أن شهد هو نهاية عبد الناصر وزبانيته وهو صامد، رافع أعلام الحق والتوحيد الذي أعتقده، متلبس بكل حبات وجوده، وأخذ بالعزيمة ولم يتسرب إلى نفسه ضعف أو وهن في دين الله ورفض أن يأخذ بالرخص فيقيم في بيته وينكر بقلبه كما يفتي ويأخذ بذلك بعض العلماء. بل أني لأذكر له هذا الموقف الكريم الشجاع حينما أراد بعض من طالت عليهم المدة واعتراهم بعض الضعف أن يأخذوا بالرخصة ويكتبوا للطاغية مؤيدين وملتمسين العفو منه، وسألوا الإمام حسن الهضيبي أن يأذن لهم في ذلك فقال قولته المشهورة:"أنا لا أكره أحد على الأخذ بالعزيمة والوقوف معنا، ولكنى أقول لكم: إن الدعوات لم تقم يومًا بالذين يأخذون بالرخص". قال ذلك وهو الشيخ الكبير ذو الثمانين عامًا، وظل بسجن مزرعة طره إلى آخر الأفواج التي أفرج عنها بعد موت عبد الناصر ... ولنا عودة أخرى إلى تفاصيل أحداث 1965.