الصفحة 9 من 26

لذا كان لابد من أن يكون شخصية متكاملة بمعنى التكامل الشخصي للدعاة والذي لا يتحقق ولا يتم إلا بالاستعداد للبلاء والصبر عليه عندما يقع.

فطبيعة التلقي لهذا الدين هي التي تحدد طبيعة اعتناقه والالتزام به والدعوة إليه، والذين يتلقون هذا الدين على أنه بلاء، هم الذين يبقون إلى النهاية، وأخذ هذا الدين بقوة هو ضمان الاستمرار عليه.

وبذلك أراد الله تبارك وتعالى أن يتفق تكوين هذا الغلام مع طبيعة الدعوة وأن لا تشذ شخصيته عن تكاليفها فابتلاه الله في لحظات التكوين ووقت النمو وفترة التربية فصدق وصبر.

ولكن الغلام يشتكي إلى الراهب هذا البلاء شكوى الذي يعاني من مشكلة تعوق انطلاقه واستمراره ولم تكن شكوى الذي يقدم المعاذير ليتخلى ويتراجع، والحاسة السليمة للدعاة هي التي تكشف علة أي شكوى.

ولما كان الأمر كذلك كان لابد أن يعالج الراهب له مشكلته وهذا واجب تفرضه الدعوة على الدعاة ليمهدوا الطريق أمام من يستجيب لهم. ولقد بين الله سبحانه قيمة هذا التمهيد حينما أمر موسى بالذهاب إلى فرعون فعرض موسى مشاكله على الله سبحانه وتعالى فقال: {ولهم علىّ ذنب فأخاف أن يقتلون} [1] [الشعراء: 14] .

و {قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي واجعل لي وزيرًا من أهلي هرون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرًا ونذكرك كثيرًا إنك كنت بنا بصيرًا قال قد أوتيت سؤلك يا موسى} [طه:25 - 36] .

وكذلك لما بعث الله نبينا عليه الصلاة والسلام حيث يقول: (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب وإن الله ابتعثني في قريش قلت: يا رب إذن يثلغوا رأسي ويذروه خبزًا قال: قاتل بمن أطاعك من عصاك وابعث جيشًا نبعث خمسة أمثاله وأنفق فسننفق عليك) [2] وواضح من النص كيف عرض النبي صلى الله عليه وسلم مشكلته على ربه ومخاوفه من قريش كما عرض موسى مخاوفه من آل فرعون وكيف طمأنه الله سبحانه كما طمأن موسى.

وبضرورة تمهيد طريق الدعوة أمام السالكين له فإن الراهب يقول للغلام: (إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر) .

ومن قول الراهب تتبين لنا نظرته إلى الواقع فقد كان يعتبره"دار حرب"ولهذا أجاز لغلامه أن يكذب إذ أن الكذب لا يجوز إلا في ثلاث حالات كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم (لا يحل الكذب إلا في ثلاث يحدث الرجل امرأته ليرضيها والكذب في الحرب والكذب ليصلح بين الناس) [3] . والحرب هي الحالة التي كان الراهب يعتبر نفسه عليها مع المجتمع الذي يعيش فيه.

(1) - ولذلك جاء في تفسير الآيات {قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني} قول ابن كثير هذه أعذار سأل الله إزاحتها عنه.

(2) - انفرد به مسلم فأخرجه في (صفة القيامة) (196 - 197/ 17) عن عياض بن حمار وكذا أحمد في المسند (162/ 4) .

(3) - أخرجه الترمذى رقم [1939] . من حديث أسماء بنت يزيد وهو عند أحمد (404/ 6) من حديث أم كلثوم بنت عقبة وسنده صحيح بمعناه في الصحيحين البخاري في الصلح (299/ 5) ومسلم (157/ 16) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت