الصفحة 8 من 26

فليس الامتداد تعاطفًا بين الأجيال لأن الجيل الجاهلي مفتت ومشتت لا يمكن أن يتعاطف حتى مع نفسه! وأي جيل جاهلي يدعي أنه يعمل للمستقبل الإنساني إنما يكون كاذبًا في اختلاقه التعاطف مع أبناء المستقبل كما كذب في اختلاقه جذورًا تاريخية له في هذا الواقع الإنساني. كذلك فليس هذا الامتداد الجاهلي (حتمية تاريخية) مفروضة على الواقع الإنساني لا سبيل إلى إنهائها أو تغييرها لأن التاريخ وأحداثه لا يتحقق إلا بقدر الله وحده، والمسلمون وحدهم هم الذين يملكون بعقيدتهم وتصورهم سنن هذا القدر وأسباب تحقيقه وهم وحدهم أيضًا القادرون على إنهاء الوجود الجاهلي إذا التزموا بتلك السنن وأخذوا بهذه الأسباب.

(فأتاه بغلام .. ) [1]

وحينما يقرأ الإنسان هذه العبارة يود لو أنه يستطيع أن يمد ذراعه ليأخذ ذلك الغلام وينجيه من هؤلاء الناس فإنه لا يحزن لشيء أكثر من ضياع الفطرة وإفسادها في مناخ المجتمعات الظالمة. فماذا لو نرى إنسانًا يضيع وفطرة تفسد ثم لا نتقدم من أجل حماية هذه الفطرة بأي جهد أو عمل؟

وماذا لو نرى إنسانًا قد مات على الكفر بعد أن ولد على الفطرة ولم نكن قدمنا له أسباب الهداية والحق؟

والداعية الحقيقي هو الذي يشعر بمسئوليته تجاه الفطرة الإنسانية وحمايتها من أي تأثير جاهلي ويحس إحساسًا عميقًا بقيمة تلك الفطرة في واقع دعوته. فالفطرة هي رصيد الدعوة في الواقع الجاهلي وحينما تفسد فلن يكون للدعوة أي وجود أو امتداد وهذا ما قصده نوح عندما دعا بهلاك قومه لما رأى وجودهم في ضلال وامتدادهم في فجر وكفر {وقال نوح رب لاتذر على الأرض من الكافرين ديارًا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرًا كفارًا} [نوح: 26، 27]

فقد بلغ الضغط الجاهلى بطون الأمهات فأصبحت النساء لاتلد إلا [فاجرًا كفارًا] . فعند هذا لا يكون هناك أمل. [2]

(وكان في طريقه إذا سلك راهب فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه) .

وبقدر الله سبحانه وتعالى يلتقى الغلام بالراهب في طريقه إلى الساحر بصورة عجيبة فقد قعد إليه وسمع كلامه فأعجبه ولكن القعود قبل السماع لم يذكر له سبب، ولم يكن هذا سهلًا على نفس الغلام فقد كان يتعلم السحر من الساحر والدين من الراهب بما بينهما من تناقض. فالدين حقائق واضحة وفكر منظم والسحر ضلالات غامضة وكذب ملفق، والدين يربي العقول والسحر يغتالها، والدين يعالج الواقع والسحر يضلل عنه، والدين يبني الحياة والسحر يهدمها ولهذا كان صعبًا على الغلام أن يستمر في تلقيه الدين والسحر باطمئنان ولكنه يجلس إلى الراهب راغبًا وإلى الساحر كارهًا.

(فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب) .

وتلمح من النص أن الغلام كان على إصرار في القعود إلى الراهب لأنه كان يقعد إليه كلما أتى الساحر، رغم أن الساحر كان يضربه كلما تأخر عنه.

وهذا الضرب يمثل بالنسية للغلام بلاءًا وامتحانًا إذا راعينا أنه غلام صغير.

ولكن الله تبارك وتعالى يريد أن يتربى هذا الغلام - من البداية - تربية حقيقية كاملة ويريد أن يكون ارتباطه بالدعوة متفقًا مع طبيعتها لأن هذا الغلام سيكون منطلقًا أساسيًا لتلك الدعوة، وسيكون دليل الناس إليها.

(1) - الغلام في لغة العرب من كان بعد سن الفطام وقبل البلوغ.

(2) - وقد جاء طلب الساحر - في رواية الترمذي - بعبارة (انظروا إلي غلامًا فَهمًا أو قال: فَطنًا لَقنًا فأعلمه علمي) وهذا يكشف بُعدًا خطيرًا للخطة الجاهلية الرامية إلى إفساد الفطرة وهي التركيز على النابهين المتفوقين أصحاب المواهب والقدرات الخاصة لضمان السيطرة الجاهلية على الواقع البشري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت