(وكان له ساحر) تفيد أن الساحر للملك والسحر للحكم ولم يكن السحر مجرد ظاهرة موجودة في المجتمع بل إنه إتجاه يحكم هذا المجتمع وعندما يحكم السحر نفهم طبيعة الواقع الخاضع فلابد أنه واقع فاسد قائم بالظلم ومحكوم بالهوى.
فعلى رأسه ملك مبدأه السحر وسلطانه القهر .. فلابد أن المنهج وهم وأن القيادة قهر وأن الفكر خرافة والواقع ضياع وعندئذ يكون الإنسان إما متكبرًا لا يعجبه إلا نفسه أو مقهورًا لا يشعر بنفسه.
والذي يجعلنا نفهم ذلك من البداية هو أن الحكم في أي واقع هو المحصلة النهائية لكل الأبعاد الاجتماعية. كما أنه الصورة الجامعة للتقاليد والإطار المحدد للأخلاق فكيف يكون هذا المجتمع ومحصلة أبعاده وصورة تقاليده وإطار أخلاقه ... القهر والسحر؟
وهذه ضرورة الحكم الظالم لأن الحكم بكل أشكاله سيطرة على الواقع الإنساني فإما أن يكون الحكم سليمًا فيقوم على بناء كيان الإنسان وصيانته وفي هذه الحالة يكون من مصلحة الحاكم أن يكون الإنسان الذي يواليه عاقلًا عالمًا قويًا. وهذا هو الحكم الإسلامي الذي يرعى الفرد ويقويه، وإما أن يكون الحكم جاهليًا فيقوم على تفتيت كيان الفرد وتشتيت كيان المجتمع لأن الحكم الجاهلي لايريد إلا السيطرة دائمًا ولو إلى الدمار وفي هذه الحالة يكون من مصلحة الحاكم أن يكون الإنسان الذي يواليه غبيًا جاهلًا ضعيفًا.
والسحر باعتباره توهم وكذب يحقق أغراض الحاكم الظالم، وأي منهج ليس من عند الله يخضع له الناس يحقق نتائج السحر وليس هناك فارق بينهما إلا في الشكل والاسم فالمهم ألا يكون في المجتمع قوة عاقلة أو عقل قوي وهذا ما يتحقق بالسحر وبأي منهج بشري مهما كان لأن أي منهج غير إسلامي يتفق في خصائصه مع السحر. إذ أن السحر تخيل بتأثير عامل الخوف وباستغلال حالة الجهل وأي منهج يتخيل الإنسان أنه سليم بتأثير الإرهاب الذي يُفرض به المنهج من خلال الجهل والضعف يحقق نتائج السحر.
(فلما كبر قال للملك إني قد كبرت فابعث إليّ غلامًا أعلمه السحر) .
ومن هذا القول نجد نموذجًا لبطانة السوء التى يهمها أن تبقى الأوضاع التي يستفيدون منها وينعمون فيها ومثلهم الواضح سحرة فرعون الذين جاءوا إلى المدائن لمواجهة موسى فكان أول ما قالوا: {إن لنا لأجرًا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم لمن المقربين} الأعراف (113، 114) .
فلم يسألوا عمن سيواجهون وما هي قضيته .. فهذا لا يهم ولكن الذي يهم هو الأجر، غير أننا نلحظ أن الساحر في طلبه للغلام لم يكن يريد منفعة شخصية لأن الطلب جاء لما أحس الساحر بدنو أجله. فلم يكن يريد بهذا الطلب شخصه.
وهنا يبرز معنى جديد وهو أن الساحر - لما كبر - وعاش عمره في تهيئة الواقع للملك مستفيدًا ومنعمًا لم يصبح الأمر بالنسبة له منفعة ذاتية بل أصبح ذاته نفسها التي أحب أن تستمر في شخص الغلام فقد قضى عمره ساحرا ولابد من امتداد لهذا العمر بعمر جديد .. فكان طلبه للغلام، ولكننا لا يجب أن نتوقف عند هذا الحد في تفسير طلب الساحر للغلام إذ أننا نرى الدافع إلى هذا الطلب هو الشيطان القائم على أمر الجاهلية بأجيالها الممتدة، حيث أن الشيطان يملك تجربة الوجود الإنساني كله من بدايته والتي يستطيع بها ربط الأجيال الجاهلية كلها جيلًا بعد جيل ليستهلك تلك الأجيال كلها باستمرار الفساد وبقائه.
وبهذا يجب أن ندرك خطورة الوجود الجاهلي باعتباره وجودًا ممتدًا وخطورة التفسير الذي يعطيه الجاهليون لبقائه في أجيال متعاقبة.