الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد:
هذه القصة حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وكل من يروى حديثًا عن الرسول صلى الله عليه وسلم إما أن يكون من الرواة المتخصصين في الرواية مثل أبى هريرة وابن عباس، وإما أن يكون صحابيًا غير متخصص دفعه إلى الرواية إما ارتباط الأحكام التي يتضمنها الحديث بمعيشته مثل عدي بن حاتم الذي روى أحاديث الصيد لأنه كان صيادًا، وإما أن يكون الدافع في الرواية هو عمق التأثر بمعاني الحديث، وراوي هذا الحديث ممن دفعهم عمق التأثر بالمعنى، وهو صهيب الرومي الذي كان مستضعفًا في مكة وأراد أن يهاجر مع الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يتمكن فحاول الفرار بعد الهجرة فعلم المشركون بخبره فتعقبوه فلما اقتربوا منه قالوا له: جئتنا فقيرًا فاغتنيت عندنا فهل تريد أن تذهب بهذا المال إلى محمد؟ فقال لهم: إذا أخبرتكم عن مكان المال تتركوني؟ قالوا: نعم، فدلهم على مكان المال، فتركوه، فذهب إلى رسول الله وأخبره فقال له:"ربح البيع، ربح البيع" [1] .
وفيه نزل قول الله تعالى: {ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد} [البقرة 207] .
وقد روى خباب بن الأرت جزءًا من هذا الحديث عن رسول الله وهو الذي ذكر فيه العذاب الذي تعرض له أصحاب الدعوة والشق بالمناشير كما سيجيء في القصة، ويكفي لمعرفة خباب أن يكون هو الناطق برجاء كل المستضعفين حيث يقول: «أتيت النبي وهو متوسد بردة وهو في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلت ألا تدعو الله لنا؟» .. وفي رواية «ألا تستنصر لنا» [2] .
كما يكفي لمعرفة خباب أن يكون آخذ سورة الشعراء من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
روى الإمام أحمد عن معدي كرب قال: (أتينا عبد الله فسألناه أن يقرأ علينا طسم المائتين فقال: ما هي معي، ولكن عليكم بمن أخذها من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: خباب بن الأرت. قال: فأتينا خباب بن الأرت فقرأها علينا رضي الله عنه) . [3]
(1) - أخرجه الحاكم (398/ 3) والطبراني (348/ 4) وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم, وصححه الألباني.
(2) - رواه البخاري في باب (ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم وآله وأصحابه من المشركين بمكة) ص (315/ 12) في كتاب الإكراه باب"من اختار القتل والضرب والهوان على الكفر".
(3) - أخرجه أحمد في المسند [3980/ 6] من طريق وكيع بن الجراح عن أبيه عن أبى إسحاق عن معدي كرب الهمداني عن ابن مسعود رضي الله عنه.
ووالد وكيع فيه كلام, وأبو إسحق هو السبيعي اختلط, ومعدي كرب لم يرو عنه غير أبى إسحق - فيما علمت- وسكت عنه البخاري في التاريخ (41/ 8) .
ومع هذا فقد جوده الحافظ السيوطى في الدر المنثور (82/ 5) وصححه الشيخ شاكر في شرح المسند رقم [3980] .
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (84/ 7) : (رواه أحمد ورجاله ثقات, ورواه الطبراني) .
تنبيه: المراد من (طسم المائتين) : سورة الشعراء لا سورة القصص يدل على ذلك أمور:
منها: أن المائتين هي الشعراء لأنها (227) آية بينما القصص (88) فقط.
ومنها - أن الهيثمي في مجمع الزوائد (84/ 7) بوب لها (سورة طسم الشعراء) .
ومنها - أن السيوطى ذكره في الدر المنثور تحت سورة الشعراء.
ومنها - أن السيوطي حين ذكره، ذكر لفظ أبي نعيم في الحلية وفيه: نسأله عن طسم الشعراء.
ومنها - أن الشيخ شاكر شرحه مبينًا أن المراد سورة الشعراء لا القصص.
نعم ذكره الحافظ ابن كثير عند سورة القصص وكرره السيوطي في سورة القصص.