وفي صحيح الترمذي ملاحظة هامة في رواية هذا الحديث وهي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يذكر مع هذا الحديث حديثًا آخر عن صهيب قال: كان رسول الله، إذا صلى العصر همس - والهمس في قول بعضهم: تحرك شفتيه كأنه يتكلم - فقيل له: إنك يارسول الله إذا صليت العصر همست. قال: إن نبيًا من الأنبياء كان أعجب بأمته فقال: من يقوم لهؤلاء، فأوحى الله إليه أن خيِّرهم بين: أن أنتقم منهم، وبين أن أسلط عليهم عدوًا لهم؟ فاختاروا النقمة فسلط عليهم الموت فمات منهم في يوم سبعون ألفًا.
قال: وكان إذا حدث بهذا الحديث الآخر عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان ملك ... » وبذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذين الحديثين معًا ودائمًا .. يتحقق بُعدان أساسيان لقضية واحدة وهي قضية العلاقة بين العدد والفاعلية القدرية للعدد.
-حيث يمثل الحديث الأول بُعد الكثرة الفاقدة لفاعليتها بالعجب بهذه الكثرة وهو مضمون الحديث الأول.
-والقلة المحققة لفاعليتها بتجردها من حولها وقوَّتها إلى حول الله وقوَّته وهو مضمون هذا الحديث حيث لم يتجاوز أصحاب الدعوة فيه ثلاثة أفراد (الراهب والغلام والجليس) .
-يتمم هذا البُعد ما ورد عن القصة في القرآن حيث جاء قول المفسرين في قول الله تعالى: {وشاهدٍ ومشهود} ، أن {وشاهد} هو يوم عرفة، و {مشهود} هو يوم الجمعة. وكلاهما يمثلان الكثرة المحققة لفاعليتها بعبوديتها وتواضعها.
ولعلنا ننتبه إلى أن هذه الملاحظة الهامة - ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم النبي الذي أعجب بأمته وحديث (كان ملك .. ) _ واردة عن صهيب أيضًا.
إنه حديث المستضعفين .. ودرس الذين عاشوا الدعوة في أيام الآلام والعذاب.
وهذه هي القيمة الأساسية للقصة.
يتبعها أن القصة تجربة كاملة للدعوة: ففي أحداثها كل مراحل العمل وأساليبه من بداية الدعوة الفردية إلى مرحلة الإيمان الجماعي، متضمنة النقلة المرحلية الأساسية للدعوة من السرية إلى العلنية.
كما أن أحداثها تحقيق مباشر لقدر الله مما يجعل هذه القصة مجال بحث دقيق لتحديد منهج الدعوة بتصور القدر والأسباب ليصبح هذا المنهج قادرًا على تحقيق الواقع الإسلامي الذي نسعى إليه.
رفاعي سرور