الصفحة 6 من 26

فمن الملوك من كان يفهم قصد الرسول صلى الله عليه وسلم مثل هرقل الذي وصلت رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم بدعوته إلى الإسلام فناقش أبا سفيان الذي كان حاضرًا في بلاد الروم عندما أراد هرقل بحث أمر الرسالة. وتم حوار رائع حول الدعوة بين هرقل وأبي سفيان انتهى بقول هرقل: (والله لو كان كما تقول حقًا فسيملك موضع قدمي هاتين ولو كنت أعلم أني أخلص إليه لتجشمت - تمنيت - لقائه ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه) [1] ثم يواصل تأكيد فهمه لطبيعة الدعوة الصحيحة فيوجه نصحه إلى الروم قائلًا: يامعشر الروم، هل لكم في أن يثبت ملكم فتبايعوا هذا النبي؟

ومن الملوك من كان لايفهم قصد النبي صلى الله عليه وسلم مثل كسرى ملك الفرس الذي ذهل لجرأة الرسول صلى الله عليه وسلم في بعثه برسالة يدعوه فيها إلى الإسلام.

ومزق الرسالة التي بعثها النبي صلى الله عليه وسلم إليه فدعا عليه بتمزيق ملكه كل ممزق وقال: (اللهم مزق ملكه كل ممزق) . [2]

وعندما يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملك الفرس نرىكيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يبعث برسائله وهو يعتقد أن هذا حق له وأن لهذه الرسائل قيمة الدعوة كلها وأنها يجب أن تكون كذلك حتى في نفوس هؤلاء الملوك، فليست الدعوة أقل قيمة من ملك الفرس حتى تمزق دون أن يُمزق هذا الملك كل ممزق.

ولقد كانت قريش من الذين لم يفهموا قصد الرسول صلى الله عليه وسلم فظنت أنه لايريد إلا الحكم- فعرض عليه سادتها أن يكون سيدًا عليهم قائلين له: (إن كنت تريد سيادة سودناك علينا) [3] . فرفض الرسول صلى الله عليه وسلم تلك السيادة.

فالحكم ضرورة في تصور الدعوة، ولكنه لن يأتي منحة من المغتصبين له ولن يتحقق بالمساومات الرخيصة. بل يجب أن يسترد بالجهاد والعمل ليكون ولاية شرعية حقيقية وليس مجرد تسلط شخصي أو سيادة فردية دون إمكانيات القيام بالحكم والاستمرار فيه بعد الوصول إليه.

والمثال الذي يثبت هذه الحقيقة هو النجاشي ملك الحبشة الذي دخل الإسلام بنفسه ولم تدخل الحبشة وهو ملكها. لأن إسلام النجاشي وهو حاكم لم يكن معناه إمكانية الحكم بالإسلام.

وكذلك هرقل ملك الروم يود أن تدخل الروم ويبدي تلك الرغبة قائلًا: (يا معشر الروم، هل لكم في أن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي) ؟ ولكنه لايزيد شيئًا عن إبداء رغبته الشخصية في إسلام الروم رغم خضوعها لحكمه.

ويجب ألا يمنع الاستضعاف ضرورة المواجهة بين الدعوة والحكم الظالم وليس في تلك المواجهة دون اعتبار للإمكانيات المادية - أي تهور، ولهذا بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن سيد الشهداء من يقوم إلى حاكم ظالم يأمره وينهاه، وهو يعلم أنه سيقتله فقال: (سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام ظالم فأمره ونهاه فقتله) [4] لأنه أكد مايؤكده الشهداء بقتالهم الكافرين أصحاب القوة والسلطان ويزيد عليهم أن الشهداء كانوا يقاتلون باحتمال النصر أو الشهادة وهو يواجه باحتمال واحد وهو الشهادة.

(1) - أخرجه البخاري في (بدء الوحي) - وفي مواضع- (31 - 33/ 1) من حديث ابن عباس عن أبي سفيان بن حرب, وأخرجه أحمد (262/ 1) .

(2) - أخرجه البخاري في (المغازي) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(3) - أخرجه أبو يعلى في مسنده (349/ 3) وعبد بن حميد رقم [1123] وأبو سعيد في دلائل النبوة رقم [182] من طريق الأجلح عن الذيال عن جابر وسنده ضعيف من أجل الأجلح, وانظر مجمع الزوائد (20/ 6) وابن كثير سورة فصلت والحديث حسنه الألباني.

(4) - أخرجه الحاكم في المستدرك (195/ 3) والطبراني في الأوسط [922] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت