الصفحة 5 من 26

(رواه مسلم وأحمد والترمذي والنسائي) .

«كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر» وهذه هي بداية القصة، وهذا هو التحديد التاريخي لأحداثها دون ذكر للزمان والمكان لتتجرد معاني تلك الأحداث وتصبح مجردة ومطلقة فيمكن- اعتناقها والاستفادة بها بغير الارتباط أو التعلق بظروفها وملابساتها.

فكان تجريد أحداث هذه القصة هو الأساس التسجيلي لها لأنها أتت بعد ذلك إثباتًا تاريخيًا موجهًا نحو تحقيق قيمتها كتجربة قائمة إلى نهاية الزمان وإلى اليوم الموعود.

ولهذا جاء كل التحديد التاريخي في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (فيمن كان قبلكم) يريد فيما مضى ولكنه يربط هذا الماضي بحاضر الدعوة في عهده فيقول: (قبلكم) وبذلك أضيفت أحداث هذه القصة .. بعد تجريدها إلى واقع الدعوة القائم الآن. حيث أن هذا الواقع القائم الآن هو الامتداد الصحيح لواقع الدعوة منذ بدايتها مع بداية الزمان. وهذا هو المعنى الأول المأخوذ من تلك البداية.

والمعنى الثاني: هو أن هذه البداية حددت باللفظة الأولى (كان ملك .. ) طبيعة هذه الدعوة فكان أول ما وضح منها هو ضرورة المواجهة- منذ البداية - بين واقع الدعوة والسلطة الكافرة التى تسيطر على واقع الناس المراد تحقيق غاية الدعوة فيهم.

ولقد برزت ضرورة المواجهة بين الدعوة إلى الحق والحكم الباطل بصورة واضحة جدًا في دعوة موسى إذ قال سبحانه له: {اذهب إلى فرعون إنه طغى} [النازعات:17] .

ذلك أن الرسالة لم تكن أصلًا إلى فرعون لأن موسى كان مرسلًا إلى بني إسرائيل وكان كل ما يريده هو الخروج ببني إسرائيل من مصر: {فأرسل معى بنى إسرائيل} . [1]

ورغم هذا فإن المواجهة كانت مع فرعون باعتباره مسيطرًا على واقع الناس الذين كانت الرسالة إليهم.

وكانت مواجهة عقيدية مرتبطة بتصور الدعوة ومنهجها مؤكدة كل حقائق الرسالة وقضاياها وبهذا يكون موسى قد بدأ بدعوته إلى بني إسرائيل البداية الطبيعية عندما واجه فرعون وملأه.

وبذلك نفهم أن العداء بين الدعاة إلى الحق وبين حكام الباطل أمر بدهي مفروض من البداية وبمجرد التفكير في غاية الدعوة والنظر إلى واقع الناس.

وعلى هذا فإن أي دعوة إلى الحق - تظهر في الواقع الباطل توجيهًا نظريًا أو فكريًا مجردًا لا يتضمن تقدير مواجهة هذا الباطل في قوته وسلطانه ستكون قتيلة بسنن الوجود وتُلفظ من واقع الناس .. كالجنين الذي يلفظه الرحم وهو غير مخلَّق. فالدعوة إلى جميع الناس .. حاكمين ومحكومين لأن الدعوة دعوة للحق فلو كانت للمحكومين دون الحاكمين لأصبحت فكرًا خاضعًا لمن يحكم بالباطل ولو كانت للحاكمين دون المحكومين لأصبحت وسيلة من وسائل هذا الحكم الباطل.

ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم حريصًا في بداية الدعوة على إعلانها على الملأ والجهر بأنها دعوة إلى جميع الناس فكان يبعث إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام وهو لا يزال في مرحلة الاستضعاف تأكيدًا لأبعاد الدعوة من البداية ودون اعتبار للإمكانيات أو مراعاة لميزان القوة بينه وبين هؤلاء الملوك.

(1) - الأعراف:105، وقال تعالى في سورة طه: {فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم} (الآية 47) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت