الصفحة 10 من 26

ولتوضيح فكرة جواز الكذب في هذه الحالات الثلاث التي جاءت في الحديث نجد أن الجواز جاء بتلك الصيغة «إن الله أجاز» [1] فالجواز هنا ليس أساسه أمر أو إباحة مطلقة ولكنه إباحة مقيدة بحالات محددة.

والذي يقوم على توضيح الأمر بعد ذلك هو الحالة التطبيقية التي وقعت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت في غزوة الأحزاب: عن نعيم بن مسعود الغطفاني، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بماشئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة) . [2]

فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة وكان لهم نديمًا في الجاهلية فقال: يا بني قريظة قد عرفتم ودي لكم وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت لست عندنا بمتهم فقال لهم: إن قريشًا وغطفان ليسوا كأنتم البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره، وإن قريشًا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليه وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره فليسوا كأنتم، فإن رأوا نهزة أصابوها وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم. فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنًا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدًا حتى تناجزوه فقالوا: لقد أشرت بالرأي، ثم خرج حتى أتى قريشًا فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدًا وبأنه قد بلغني أمر قد رأيت عليَّ حقًا أن أبلغكموه نصحًا لكم. فاكتموه عني، فقالوا: نفعل، قال تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه: إنا قد ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالًا من أشرافهم فنعطيكموهم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم حتى تستأصلهم؟ فأرسل إليهم: أن نعم. فإن بعث اليهود يلتمسون منكم رهنًا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلًا واحدًا.

ثم خرج حتى أتى غطفان فقال: يا معشر غطفان إنكم أهلي وعشيرتي وأحب الناس إلي ولا أراكم تتهموني، قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم قال: فاكتموا عني قالوا: نفعل فما أمرك؟ ثم قال لهم ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم وبذلك أوقع بينهم وانتصر الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك عليهم.

(1) - كما في رواية الصحيح. ولذلك ذكر الإمام النووي في شرح مسلم باب قصة أصحاب الأخدود والساحر والراهب والغلام, وقال هذا الحديث فيه إثبات كرامة الأولياء وفيه جواز الكذب في الحرب ونحوها وفي إنقاذ النفس من الهلاك سواء نفسه أو نفس غيره ممن له حرمة وذكر فتح الباري شرح صحيح البخاري قال ابن المنير: معنى الحرب خدعة إنما هي المخادعة لا المواجهة وذلك لخطر المواجهة وحدوث الظفر مع المخادعة بغير خطر. ت: الجهاد 158.

قال ابن العربي في فتح الباري: الكذب في الحرب من المستثنى الجائز بالنهي رفقًا بالمسلمين لحاجاتهم إليه وليس للعقل فيه مجال.

(2) - أما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحرب خدعة) .

فقد ورد في البخاري كتاب الجهاد 157, المناقب 25, الاستتابة 6 ومسلم في الزكاة 153, جهاد 19,18, وأبو داود في الجهاد 92 وفي السنة 38 والترمذي في الجهاد 5 وابن ماجة في الجهاد 28 والدارمي في السير 13 وأحمد ج 6,3,2,1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت