الصفحة 11 من 26

وليحذر كل من يمارس الدعوة من الخروج عن حدود النصوص التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم في جواز الكذب حتى لا تتسرب تلك الصفة إلى طبيعته فيكتب عند الله كذابًا ويفقد أقوى إمكانيات التأثير على الناس إذ أن الثقة في الداعية هي باب الإيمان بالدعوة وأساس التحرك فيها ولهذا فإن أول كلمة قالها النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته كانت لتأكيد أساس الثقة فيه فقال: «هل إذا قلت لكم أن الجيش مصبحكم. هل تصدقوني قالوا: نعم لأننا لم نجرب عليك كذبًا قط قال: إني نذير بين يديّ عذاب شديد» . [1] ونعود إلى الغلام في مرحلة البلاء.

ودائمًا .. مع شدة البلاء والأذى تظهر الآيات التى تعين على الصبر وتطمئن النفوس: «فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل! فأخذ حجرًا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس فقتلها ومضى الناس» .

وهنا نكتشف أن الغلام كان قلقًا لتلقيه من الراهب والساحر في وقت واحد ولقد كان من الممكن أن يستمر الغلام في تلقيه للدين والسحر دون قلق إذا كان يسمع للراهب والساحر بدون شعور أو تفكير لأن السماع حينئذ سيكون مجرد ًا من التأثر وسيصبح الدين والسحر عند الغلام مجرد فكر وكلام ولكن القلق الذي نشأ في نفس الغلام كان بسبب تأثره العميق بكلام الراهب وإدراكه السليم لمعنى الدين.

ومن هنا ندرك الصعوبة الكبيرة التي يعانيها المسلم الأصيل في مواجهة الواقع الفاسد وندرك أن الأصالة الإسلامية لابد أن تحرك المسلم لتحديد موقفه كما فعل الغلام. وليس سبب القلق أن الراهب والساحر كانا في نظر الغلام سواء ويريد أن يطمئن إلى أحدهما، ولكنه كان يطلب اليقين من الواقع بعد اليقين بالفطرة في صدق ما عليه الراهب لأنه كان يطمئن إليه بدليل أن الغلام لما أراد الدعاء الذي سيتحقق به الاطمئنان فعلًا قال: «اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك منه أمر الساحر» لنفهم أن البدء بذكر أمر الراهب قبل الساحر يعني أنه يريد أن يرتبط إيمانه بالراهب، وكذلك نجد أن الغلام قال: (اللهم) وهذا بلاشك ما تعلمه من الراهب ويكون هذا معناه أن المقياس الذي أراد الغلام أن يفاضل به بين الراهب والساحر هو من عند الراهب وبتعاليمه مما يدل على أن حقيقة الدين استقرت في ضمير الغلام وملأت عقله وكيانه.

ويدل طلب الغلام لليقين -من خلال الواقع - بفضل الراهب على الاتجاه الذي يريد الغلام أن يأخذه بدينه. لأنه كان يريد أن يتحرك به في حياة الناس. وسيواجههم بما يؤمن به مواجهة واقعية عملية فلابد أن تبدأ هذه المواجهة بيقين من خلال هذا الواقع فليست الدعوة في نظر الغلام مجرد فكرة واقتناع شخصي بها ولكنها فوق ذلك واقع يتحقق بالقَدَر الذي يسير به الوجود.

ولقد أحسن الغلام في طلبه لليقين لما اختار حادث الدابة التي تسد على الناس الطريق إذ أن هذا الحادث وما تم فيه يعتبر بحق تجربة كاملة للدعوة بجوهرها وأبعادها كما تتضمنه التجربة من خلال القصة كلها.

فهناك دابة تسد على الناس طريق سيرهم تمثل في إحساس الغلام أي طاغوت يسد على الناس طريق هدايتهم. فيأخذ حجرًا ليكون سببًا للقدر الإلهي في قتل هذه الدابة ويدعو الله مع أخذه بالسبب بأن يقتل الدابة إذا كان أمر الراهب أحب إليه من أمر الساحر فيقتلها ويمضي الناس فيعلم الغلام أن الحق الذي أكده قدر الله بقتل هذه الدابة هو الحق الذي عليه الراهب.

(1) - البخاري (501/ 8) ومسلم (82/ 3) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت