الصفحة 23 من 26

وأما القتل فعلًا فجاء بصيغة الفعل المبني للمعلوم وهو الملك (فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه) ، والسبب في ذلك هو أن المساومة مع أصحاب الدعوة لايتناسب مع الإرادة السياسية العليا، ولكن الجاهلية عندما ترغب في المساومة فإنها توكل بها مجهول يساوم خفية لكي لا يؤثر على مهابة الدولة، أما القتل والتعذيب فهو الأمر الذي يتفق مع تلك المهابة بل يزيدها.

ولكن الغلام يدعو الله فوق الجبل (اللهم اكفنيهم بما شئت) .

بأي كيفية يرضاها الله سبحانه وتعالى وبأي سبب يختاره عز وجل فليس التوكل على الله عند المؤمن محدودًا بخبرة الواقع ودراسة الظروف لأنه لو كان الأمر كذلك لما استطاع الغلام أن يدعو بهذا الدعاء لأن الواقع لم يكن يحتمل أي تفكير، ولكنه التوكل بكامل حقيقته وجوهر معناه انطلاقًا إيمانيًا لا يتقيد بضيق الواقع وارتفاعاًَ وجدانيًا لا يهبط بشدة الظروف.

وعندما يتحقق التوكل ... تتحقق الاستجابة بإذن الله ..

(فاهتز الجبل فسقطوا هم وعاد هو سالمًا ... وجاء يمشي إلى الملك) .

وسبب عودته إلى الملك هو سبب طلبه للنجاة من أصحاب الملك فوق الجبل وهو أن الدعوة لم تتم، وليست الحياة هدفًا يحرص عليه الدعاة إلا من خلال كونها ضرورة من ضرورات الدعوة سواء أكان تحقيق هذه الضرورة يتطلب الحرص على الحياة أو الحرص على الموت.

والذين يفسرون مصلحة الدعوة بالحرص على حياة الدعاة فحسب هم أصحاب التصور الناقص الذي لايعدو أن يكون فلسفة للجبن أو للارتداد عن سبيل الله.

والذين يندفعون إلى الموت برغبتهم النفسية دون اعتبار لمصلحة الدعوة إنما يبددون بذلك الاندفاع والتهور طاقة الدعوة وإمكانياتها.

وكما أن مصلحة الدعوة هي الحد الفاصل بين الجبن والشجاعة. فهي أيضًا الحد الفاصل بين الشجاعة والتهور، فالجبن هو عدم الاستعداد للتضحية، والتهور هو التضحية بلاضرورة أومنفعة، والشجاعة هي التضحية الضرورية النافعة، وعلى هذا لم يكن طلب الغلام للنجاة جبنًا ولم تكن عودته إلى الملك تهورًا بل كان في كلا الموقفين شجاعًا حكيمًا.

(جاء يمشي إلى الملك) .

لم تؤثر محنته على منهجه ..

لم يحدث التصرف الذي غالبًا مايتصرفه بعض الدعاة بعد أن يعيشوا مرحلة من مراحل الخطر .. يخرجون من هذا الخطر وقد قرروا تفاديه في كل مواقفهم .. ويصبح هذا القرار أساسًا في تحديد تصور جديد ومنهج جديد.

لم يفعل الغلام ذلك بل عاد متمسكًا بمنهجه بصورة كاملة ودقيقة .. عاد إلى نفس النقطة التي كان عليها .. نفس الموقف الذي كان فيه .. موقف المواجهة مع الملك .. فقد تحقق للغلام إمكانية تلك المواجهة فلا يجوز التراجع ولا حتى التأجيل.

ولما ذهب إلى الملك سأله (ماذا فعل أصحابك) ولا يريد الملك أن ينسب الأصحاب إليه لأنهم منهزمون أمام الغلام، حتى لا يكون لهزيمته بأصحابه أمام الغلام حساسية تؤثر على ادعاء الربوبية لنفسه فقال: (ماذا فعل أصحابك؟) ولم يقل ماذا فعل أصحابي رغم أنهم أصحابه كما قال النص: (فدفعه إلى نفر من أصحابه) .

(قال الغلام: كفانيهم الله) ولعلنا نلاحظ أن قول الغلام للملك بعد النجاة: (كفانيهم الله) .. كان مثل قوله قبل النجاة (اللهم اكفنيهم) .

نفس الكلمة التي قالها عند الضر فوق الجبل، قالها بعد كشف الضر واهتزاز الجبل بلا زيادة ولاتغيير، فقد ينطلق لسان الإنسان عند الضر بكلمات اللجوء إلى الله والاستغاثة به فإذا ما انكشف الضر تتغير الكلمات والألفاظ ويدخل فيها إحساس الإنسان بنفسه وعمله ويفسر الكشف الإلهي لضره بمجهود بذله أو تصرف تصرفه.

ويحاول الملك قتله مرة ثانية ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت