(جيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فدعي بمنشار فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه) .
وهذا الذي حدث من الملك مع الراهب والجليس هو الذي أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم عندما شكوا إليه الاستضعاف:
عن خباب بن الأرت - رضي الله عنه - قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: (قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يبعده ذلك عن دينه .. والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت فلا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) [1] .
ومعنى أن يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الحديث للصحابة دليل على أنه أشد ما يتعرض له الدعاة إلى الله من عذاب.
وهكذا يتعامل الظلمة مع دعاة الحق فلا فرصة للمناقشة ولا سبيل إلى الإقناع ولئن كان الملك ظالمًا وسبيل بقائه في الحكم هو السحر.
إذن فلا قضية عنده ولا مبدأ، ولهذا لم يجد وسيلة في مواجهة الموقف إلا التعذيب والتقتيل، ونلاحظ أن الملك كان حريصًا على أن يرتد الراهب والجليس قبل أن يقتلهما لأن ارتدادهما قتل للدعوة وقتلهما حياة لها ولهذا لم يقتلهما إلا بعد أن عرض عليهما الدعوة ويئس من الاستجابة.
(ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه. فذهبوا به إلى الجبل فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا) وأما هنا فنلحظ حرص الملك الشديد على ارتداد الغلام حتى لا يسبب قتله حرجًا للملك وبلبلة في عقول الناس لأن الغلام كان معروفًا لهؤلاء الناس بأعماله الطيبة وبحبه للخير.
هذا من ناحية ..
ومن ناحية أخرى فإن الملك أراد أن تخسر الدعوة هذا الداعية، ويتحدث الناس أن الغلام لم يكن على شيء، لأنه ارتد عن دعوته.
ومن ناحية ثالثة - فإن الملك كان طامعًا في أن يستفيد من هذا الغلام في تثبيت موقفه بجعله ساحرًا له، وداعيًا إلى ملكه طالما أن عنده هذه القدرة العجيبة على أن يشفي الناس من أدوائهم، والذي يؤكد لنا حرص الملك على ارتداد الغلام هو الأسلوب الذي تعامل به معه. فقد أخره عن الراهب والجليس حتى يشهد مصرعهما فيتأثر ويضعف، وكذلك فإن الملك اختار وسيلة غير الوسيلة التي قتل بها الراهب والجليس. وسيلة فيها فرصة للتردد والتفكير أثناء المسافة بين القصر والجبل، ثم صعود الجبل، والذي يؤكد لنا أن الملك كان يفعل ذلك بقصد ردة الغلام هو أنه طلب من أصحابه أن يعرضوا عليه الارتداد في ذروة الجبل وقبل أن يقذفوه.
وابتداءًا من تعذيب الجليس ثم تعذيب الغلام ثم قتل الراهب والجليس قبل الغلام: ثم قول الملك للغلام (أي بني) ثم تحديد كيفية معينة لقتل الغلام .. تجدها كلها تصرفات محسوبة ومدروسة ..
متى يكون التعذيب؟ ومتى يكون اللين؟ ثم متى يكون القتل؟ وكيف؟ ولهذه التصرفات دائمًا هدف واحد محدد هو التخلص من الدعوة إما بارتداد الدعاة أو قتلهم.
غير أن أهم ملاحظة في تجربة القتل والتعذيب واللين هي التعبير عن طلب الرجوع عن الدين أو المساومة فيه بصيغة المبنى للمجهول (فقيل ارجع عن دينك. ذلك للراهب والجليس الغلام) .
(1) - أخرجه البخاري في (الإكراه) (316,315/ 12) من حديث خباب رضي الله عنه. والحديث عند أبى داود في الجهاد والنسائي والمسند وغيرهم.