الصفحة 24 من 26

(فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا فاحملوه في قرقور وتوسطوا به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه. فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا وجاء يمشي إلى الملك. فقال له الملك: ماذا فعل أصحابك؟ فقال كفانيهم الله) ..

إن اختيار الملك لأسلوب القذف بالغلام في وسط البحر بعد محاولة القذف به من فوق الجبل يعتبر نموذجًا لطبيعة تطور المواجهة الجاهلية المادية البحتة في مواجهة دعوة قائمة بقدر الله وحده.

تلك المادية البحتة التى أعمت أصحابها عن قدر الله السافر فوق ذروة الجبل حيث اهتز الجبل فسقطوا هم وعاد هو سالمًا.

والتي أودت بأصحابها إلى اتباع الأساليب التافهة الناتجة عن النظر القاصر في المسافة اليابسة بين الجبل والقصر.

كيف لو كانت بحرًا.

وكما اهتز الجبل فسقطوا.

انكفأت السفينة فغرقوا.

وعاد هو سالمًا ..

أحداث ناشئة بطبيعة واحدة، ناشئة عن إرادة إلهية غالبة بتمام الدعوة.

أدرك الغلام هذه الحقيقة .. فجاء يمشي إلى الملك.

ويقين الغلام بعجز الملك عن قتله وإن كان موقفًا خاصًا إلا أنه تضمن حقيقة اعتقادية مطلقة قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس في حديثه: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) [1] .

ولن تكون الحركة صحيحة إلا إذا تحقق في ضمير كل داعية هذا الاطمئنان الذي كان عند الغلام.

فقال للملك: إنك لن تستطيع قتلي إلا إذا فعلت ماآمرك به.

ونرى في كلمات الغلام شيئين .. إثبات عجز الملك .. والأمر الذي سيأمر الملك به .. ولعل هذا أول أمر يتلقاه الملك في حياته ويجد نفسه مضطرًا إلى تنفيذه.

وبذلك ينهي الغلام ادعاء الربوبية الذي يدعيه الملك بإثبات عجزه واضطراره إلى تنفيذ الأمر الذي يصدر إليه.

ولقد حرص الغلام على إنهاء هذا الإدعاء في ذلك الموقف لأنه الموقف الأخير الذي يجب أن ينتهي معه هذا الإدعاء الفظيع.

ويكون الأمر هو (أن تجمع الناس في صعيد واحد) حتى يشهدوا الأحداث ويفهموا معناها، ولقد بدأ الغلام أوامره بهذا الأمر لأنه يعلم أن مثل هؤلاء الحكام يخفون الحقائق التي تفيد الناس وتساعدهم على الإيمان ومعرفة الحق.

وهذا هو ماقصده موسى عندما طلب من فرعون أن يكون موعد المواجهة بينه وبين السحرة: يوم اجتماع الناس {يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى} [طه: 59] .

ويستمر الغلام في إصدار الأوامر إلى الملك العاجز (وتصلبني في جذع شجرة) حتى يكتمل ضعف الغلام في إحساس الناس فيكون غلامًا صغيرًا مصلوبًا في جذع شجرة، حتى يسهل على الناس الانطلاق بإحساسهم نحو الإيمان بالقوة التي قهرت الملك والتي تقف مع ذلك الغلام الصغير المصلوب .. قوة الله رب الغلام.

(ثم تأخذ سهمًا من كنانتي) واشتراط أن يكون السهم من كنانته هو؛ فيكون سبب القتل من عنده وتتأكد رغبته في القتل.

(ثم تضع السهم في كبد القوس) ولقد كان من الطبيعي أن يوضع السهم في كبد القوس ولكن الغلام جعل التصرف الطبيعي تنفيذًا لأمر منه حتى لايتحرك الملك أي حركة من تلقاء نفسه ليكون خضوعه كاملًا ونهائيًا لأوامر الغلام التي جعلها الله صياغة لإرادته هو سبحانه.

(1) - صحيح: أخرجه الترمذي في (صفة القيامة) رقم [2516] وأحمد في مسنده [2669] من طريق حنش الصنعاني عن ابن عباس وسنده صحيح, كما صححه الترمذي نفسه وأقره النووي في الأربعين (الحديث 19) , وأخرجه الحاكم (541/ 3) بسند فيه متروك ومختلف فيه وانقطاع آخره والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت