الصفحة 16 من 26

والواقع أن الرسول صلى الله عليه وسلم اختار قضية عقيدية حية في واقع المجتمع الجاهلي ليعالجها في صورة المنفعة المادية وهي مشكلة خشية الفقر ولذلك كان الأسلوب مؤثرًا والتأثير بالغًا في نفس الرجل الذي كان يعاني مع غيره من تلك المشكلة. وعندما قال الغلام: (إن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك) فإنه يكون قد استغل حاجة الجليس إلى الشفاء فعرض عليه الإيمان قبل أن يدعو الله فيشفيه.

وهذا أساس آخر في تأليف القلوب لأن الإنسان عندما يضطر ويحتاج، يكون أقرب إلى الله من أن يكون مستغنيًا.

ولقد سار يوسف بهذا الأسلوب في دعوته عندما احتاج إليه صاحباه في السجن لتفسير رؤيتهما فعرض دعوته عليهما قبل تلبية حاجتهما.

{قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آباءي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون يا صاحبى السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ماأنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [يوسف: 37 - 40] .

ثم بعد ذلك يفسر لهما الرؤيتين: {يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرًا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} [يوسف:41] .

وبذلك تكلم يوسف مع صاحبيه عن دعوته في لحظة الاحتياج الكامل لسماعه وهذه هي لحظة التأثير التي صنعها الغلام مع الجليس.

(فآمن الجليس فشفاه الله) .

وهكذا في بساطة، (آمن الجليس) لأن حقيقة الإيمان كامنة في نفس كل إنسان ولاينقص إلا أسلوب الدعوة الصحيح الذي يتعامل به الدعاة مع الإنسان لتتكشف تلك الحقيقة بإذن الله.

فهذا هو الجليس يؤمن بمجرد أن يطلب منه الغلام ذلك، وإذا كان إيمان الجليس مثالًا عجيبًا في بساطة الاستجابة للدعوة الصحيحة فإن هناك مثالًا أعجب .. وهذا المثال هو إسلام ملكة سبأ مع سليمان والذي سيؤكد لنا أن أساس الدعوة ليس بالكلام الذي تعرض به القضية فقط بل بصحة الأسلوب العملي الذي ينجح في كشف حقيقة الإيمان الكامنة في كيان الإنسان. حتى دون الطلب الصريح أو الدعوة المباشرة ولو بكلمة واحدة فكل ما حدث من سليمان مع ملكة سبأ أنه أدخلها في تجربتين: الأولى لإثبات قوة العقل وكانت بأخذ العرش وتنكيره ثم عرضه عليها وسؤالها {أهكذا عرشك} [النمل: 42] .

فأجابت أمثل إجابة فقالت: {كأنه هو} [النمل: 42] .

ولم تقل هو لأنه منكَّر ولم تقل ليس هو لأنه هو.

فأدخلها في التجربة الثانية وكانت لإسقاط الغرور عن نفسها: {قيل لها ادخلي الصرح فلما دخلته حسبته لجَّة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرَّدٌ من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله ربِّ العالمين} [النمل: 44] .

وبإثبات الذكاء وإسقاط الغرور تمت الدعوة للملكة وعندئذ قالت: {وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} [النمل: 44] .

وبمثال دعوة الغلام، ودعوة الرسول محمد صلى الله عيه وسلم ودعوة يوسف لصاحبيه في السجن، ودعوة سليمان لملكة سبأ نريد أن يعلم الدعاة أن التعامل مع الإنسان بصورة صحيحة هو الذي سيعطي للكلمة في الدعوة الإسلامية قيمتها ويحقق أثرها.

ولذلك نلاحظ أن الغلام لم ينطق في تبليغه لقضية الدعوة إلا بثلاث عبارات في القصة كلها.

قوله: ( .. إنما يشفي الله .. ) ردًا على الجليس عندما طلب الشفاء، وردًا على الملك عندما ادعى أن مايفعله الغلام إنما هو سحر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت