الصفحة 15 من 26

وعندما كان الغلام يبرىء الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء كان بنشىء تيارًا مرتبطًا بكيان الإنسان وهذا هو الأسلوب الصحيح للدعوة في مثل هذا المجتمع الذي يبدد السحر فيه طاقة الفكر وقوة الذهن .. لأن الناس كانوا في حاجة إلى الإحساس بالواقع وإحساس الإنسان بكيانه هو قمة الإحساس بالواقع. ولهذا كان تأثير الغلام مباشرًا في هذا الكيان من خلال المداواة والشفاء بإذن الله، ومن هنا نعلم لماذا كانت مواجهة سحرة فرعون بعصا موسى عندما تحولت إلى حية. {تلقف ما صنعوا} [طه: 69] فآمن السحرة لأنهم رأوا الحية {تلقف} فعلموا أنها واقع فضاع تأثير السحر.

وهكذا حدد الغلام قضية دعوته وربط تلك القضية بواقع الناس وألف قلوبهم عليها. فأصبح للدعوة تيارًا قويًا امتد إلى كل مجالات المجتمع.

وحتى هذه اللحظة لم يكن الملك قد علم بخبر الغلام وهو الأمر الغريب حقًا. حيث أن الغلام لم يكن بعيدًا عن دائرة الملك، لأن الملك هو الذي أتى بالغلام إلى الساحر، ولأن الغلام كان في مرحلة إعداد ليكون ساحرًا للملك .. وأيضًا لأن الغلام كان يتحرك في المجتمع بصورة علنية واسعة ولكن الله قدر أن لا يعلم الملك بخبر الغلام إلا من خلال هذا الجليس وبعد أن أصبح للدعوة تيار قوي. وهذه كانت مرحلة البداية .. وبداية كل دعوة مرحلة قدرية خالصة تتحقق فيها حماية الدعوة بصور متعددة .. عندما لا تملك الدعوة أسباب الحماية المادية فكانت صورة الحماية في دعوة الغلام هي الستر والإخفاء رغم الوضوح والعلانية والحركة الواسعة.

(فسمع جليس للملك كان قد عمى فأتاه بهدايا كثيرة فقال: ما ههنا لك أجمع إن أنت شفيتني) .

ويرد الغلام على الجليس مبينًا له أنه ليس هو الذي يشفي ولكنه الله سبحانه وتعالى فيقول: (أنا لا أشفي ولكن الله هو الذي يشفي) ويتجاهل الغلام الفكرة التي عرضها الجليس- فكرة الهدايا- والتي لم تنل من إحساسه شيئًا ويقول له: (إن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك) وهنا ترتفع قيمة الأمر بالإيمان الذي طلبه الغلام في تصور الجليس لأن شفاؤه سيكون بهذا الإيمان ولأن الأمر بالإيمان كان بديلًا للهدايا والمادة التي تنال من نفوس الناس تقديرًا واعتبارًا فانعكس هذا التقدير والاعتبار على الأمر الذي طلبه الغلام (فآمن الجليس فشفاه الله) .

وعندما قال الغلام: (أنا لا أشفي أحدًا ولكن الله هو الذي يشفي) إنما أكد بذلك عقيدته من خلال المنفعة التي قدمها للجليس. وهذا هو الأساس الأول الذي تقوم عليه فكرة تأليف القلوب في الدعوة إذ أنه يجب أن ترتبط المنفعة المقدمة بالعقيدة المعروضة وهذا الارتباط هو الذي سيعطي لتلك العقيدة قيمتها في نفوس الناس ابتداءًا. فهناك فارق بين تقديم المنفعة لمجرد المنفعة والمنفعة لتأكيد العقيدة، وهذا موقف لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوضح لنا هذا الفارق. حين جاء إليه رجل يطلب مالًا فقال له: (خذ ما بين هذا الوادي) [1] فقال الرجل: أتهزأ بي؟ قال: (لا) ، فأخذ الرجل كل الإبل التي كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يترك شيئًا، دون أن يمنعه أحد، فلما اقترب من قبيلته قال: يا قوم أسلموا فقد جئتكم من عند من لا يخشى الفقر [2] . فقد قصد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعطيه المال كله ففكر الرجل في هذا التصرف ففهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يخشى الفقر وكان هذا الفهم هو الدافع الأول لإسلامه ودعوة قومه بعده إلى الإسلام.

(1) - وفي رواية لمسلم: (أعطاه غنمًا بين جبلين) .

(2) - أخرجه مسلم في الفضائل (72/ 15) من حديث أنس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت