وقوله: ( ... كفانيهم الله) ردًا على الملك بعد نجاته من الموت فوق الجبل وفي السفينة.
وقوله: (وأن تقول: باسم الله رب الغلام) عندما دل الملك على الكيفية التي يستطيع أن يقتله بها.
ولكن هذه العبارات الثلاث تمثل في الحقيقة ثلاث نقاط في خط واحد وهو خط الإثبات العقيدي لقضايا الدعوة من خلال الواقع.
فالله الشافي .. والله الكافي .. والله المحيي المميت .. حقائق لم يرددها الغلام كقضايا جدلية وكلامية.
ولكنه ذكرها كحقائق نهائية ثابتة في واقع قائم بحيث لا يمكن ردها أو حتى مناقشتها، والحقيقة أن البداية لهذا الخط -كما جاء في القصة -ترجع إلى إيمان الغلام نفسه .. وذلك عندما طلب الغلام اليقين من خلال الواقع فدعا الله أن يقتل هذه الدابة إذا كان أمر الراهب أحب إليه سبحانه من أمر الساحر.
وهذا يعني أن طبيعة التلقي لحقائق هذا الدين واليقين به هي التي تحدد طبيعة الدعوة إليه في خط واحد.
والملاحظة الدقيقة في تحرك الغلام أنه لم يقل للجليس (فلا تدل علي) ّ مثلما قال له الراهب وذلك لأن الغلام انتقل بالدعوة من مرحلة السرية إلى المرحلة العلنية بهذا التحرك العلني العام وبدليل أنه كان (يداوي الناس من سائر الأدواء) كل الناس ...
وانتقال الدعوة من السرية إلى العلنية يدعونا إلى المقارنة بين المرحلتين من خلال أربعة نواحي:
-أسلوب الارتباط.
-البناء التنظيمى.
-نظام التحرك.
-مدى الإمكانيات.
أما أسلوب الارتباط فإننا نجده في المرحلة السرية ارتباطا فرديا مثلما كان بين الراهب والغلام، ونجده في المرحلة العلنية ارتباطًا عامًا مثلما كان بين الغلام والجليس الذي عرف الغلام لما سمع عنه كما في النص (فسمع جليس الملك) .
وأما أسس البناء التنظيمي فقد كانت واضحة في ممارسة كل فرد للدعوة حسب كفاءته فالراهب لم يدخل مجال الدعوة العلني لأنه لم يكن يملك إمكانية التأثير العلني ولم يبق الغلام في مرحلة السرية لأنه لو فعل ذلك لأفقد الدعوة إمكانية هذا التأثير العلني.
ولهذا وضع الراهب فاصلًا تنظيميًا بين الممارسة السرية والعلنية عندما قال للغلام: (فلا تدل عليّ) وهذا الحد الفاصل الذي وضعه الراهب للغلام يشبه إلى حد كبير الفاصل الذي وضعه الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي ذر الغفاري عندما قال له بعد إسلامه: (لا تتكلم حتى يظهرنا الله) لأنه لم يزل بعد مستضعفًا وفي مرحلة السرية بدار الرقم بن أبي الأرقم.
ورغم أن أبا ذر الغفاري لم يتحمل معرفة الإسلام والسكوت عليه فذهب إلى بيت الله الحرام. وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وأخذ المشركون يضربونه حتى كادوا يقتلونه، فبرغم هذا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستطع فعل أي شيء لأبي ذر وتركه يواجه الموقف بنفسه. ولم تتورط الدعوة في مواجهة لم يأت وقتها؛ حيث أن أبا ذر كان يعلن ولم يأت بعد وقت الإعلان.
وأما عن نظام التحرك فإنه في المرحلة السرية كان محدودًا ولهذا نجد أن اللقاء بين الراهب والغلام كان بمرور الغلام على الراهب وهذا يشبه إلى حد كبير وجود الرسول صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم بن أبي الأرقم في مكة عندما كانت الدعوة في عهدها السري وكان كل من يريد اعتناق الإسلام يذهب إليه في تلك الدار بحيث لا يعلم أحد مكانه.
ولعل أبرز الأحداث التي تحدد أسلوب التحرك في تلك المرحلة هو حادث إيمان أبي ذر الغفاري [1] :
(1) - أخرجه البخاري في المناقب (173/ 7) , ومسلم (32/ 16) شرح النووي كلاهما من حديث ابن عباس رضى الله عنهما.
والمثنى: هو ابن سعيد عن أبي جمرة عن ابن عباس, والقائل حدثنا المثنى هو: ابن مهدي.