فشتّان شتّان بين مساجد كان تأسيسها على التقوى .. وبين مساجد تؤسس للرياء والسمعة والمباهاة .. ومنذ أنْ صار تأسيسها لذلك، بدأ المسجد يفقد رسالته شيئًا فشيئًا .. وما وصل حال المساجد إلى هذه الحال هكذا عبثًا أو مِن غير قصد، بل خُطِّط له ليكون كذلك .. فالظالمون الذين يعرفون أنّ الإسلام يرفضهم، ويرفض طغيانهم .. يخافون مِن المسجد، ويعلمون أنّهم إنْ تركوه على الحال التي كان عليها مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه سيُقلق مضاجعهم، وسيخرج لهم أجيالًا مِن الصالحين والمجاهدين يزيلون طغيانهم وظلماتهم .. وذلك أشدّ ما يخشونه .. لذلك فإنّهم أفقدوا المسجد رسالته .. بتقييدهم له، وتحكمهم به، ودوام مراقبتهم لرواده ..
لذلك فإنّ العاقل لا يشك طرفة عين أنّ هذه المساجد التي يبثّونها في مختلف النواحي مِن كل بلد .. لا يشكّ عاقل أنّهم لا يريدون بها وجه الله عز وجل، لأنّهم لو أرادوا وجه الله حقًا، لَمَا جعلوها بالصورة الممسوخة التي ذكرنا بعضها .. مُهانةً بامتلاكهم لها وسيطرتهم عليها وتحكمهم بها .. والله عز وجل أراد لها أنْ تُعظّم وترفع فقال: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ... } [النور: 36] .
فهؤلاء لا يعرفون حقّها، ولا تعظيمها .. كما أنّهم لا يميزون بين خرابها وعمرانها ..
وقد ساعدهم وساندهم وسعى في خراب المساجد معهم، كثير مِن الجهّال مِن المصلين أو الأئمة الذين يخشونهم أكثر مِن خشيتهم لله عز وجل .. فطمست بسببهم وبسبب جهلهم كثير مِن السنن .. وانتشرت كثير مِن المبتدعات ..
ومِن هذه البدع التي نشروها «بدعة منع الصبيان مِن المساجد» ، فأصبحوا كلّما صَوَّت صبيّ مع أبيه أو أمه، يبكي خلال الصلاة .. تكلّموا بعدها وألقوا الخطب والمحاضرات، يفتون ويتقوّلون في دين الله بغير علم ..
وقد رأينا هذه الحوادث تتكرّر كثيرًا في المساجد .. حتى تجرّأ على ذلك العوام ورعاع الناس مِن حلاّق اللّحى وأهل المعاصي، الذين قلّما يفقهون في دينهم أو سنة نبيهم شيئًا، فاستنوا بهؤلاء الأئمة يزجرون ويجادلون مَن أحضر أولاده للمسجد .. ويفتون بحرمة ذلك .. حتى كانوا سببًا في التشويش على المصلين في كثير مِن الأوقات بصراخهم وصياحهم على الصبيان عقب الصلوات، وهم يزعمون أنّ إحضار الصبيان للمساجد سبب في تشويش وإزعاج المصلين .. وما درى هؤلاء المساكين أنّهم بأفعالهم هذه أعظم تشويشًا على المصلين ..
لَا يَسْتَطِيعُ المُصَلِّي مِنْ صُرَاخِهِم ... يَأْتِي بِفَرْضٍ وَلَا يَأْتِي بِمَسْنُونِ
وصدق رسول الله بعث حين قال فيما رواه البخاري ومسلم وغيرهما: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» . فلمّا رأيتُ الأمر وصل إلى ذلك .. قمتُ مستعينًا بالله عز وجل. بكتابه هذه الورقات آملا أنْ ينفع الله عز وجل بها قارئها وكاتبها ويجعلها خالصة لوجهه الكريم ...
أبو حذيفة