بدعَة مَنع الصبْيَان مِنَ المسَاجد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد ..
فاعلم رحمنا الله تعالى وإياك [1] أنّ النبي صلى الله عليه وسلم بلّغ لنا الدين وبيّنه بيانًا كافيًا شافيًا فتركنا على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ... لم يترك شيئًا مِن الخير إلا ودلّنا عليه، ولا شيئًا مِن الشرّ إلا وحَذَّرَنا منه، فترك لنا الأمر كاملًا تامًّا لا يحتاج منّا إلى زيادة أو نقصان .. ولذلك فقد كان فيما حذرنا منه: استحسان الزيادة أو التغيير في الدين، فقال بعث كما جاء في «الصحيحين» وغيرهما عن عائشة رضي الله تعالى عنها: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» .
ومِمّا كان عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله تعالى عليهم أجمعين السماح لصبيانهم الدخول للمساجد متى شاءوا سواءّ في الصلوات الخمس أو الجُمَع أو غير ذلك .. في رمضان وفي غير رمضان، فقد كان الصبيان يدخلون المسجد ويخرجون، قبل الصلاة وفي الصلاة وأثناء الخطب وغير ذلك دون أنْ ينكر عليهم أو على آبائهم ذلك أحد .. بل إنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعمد إحضارهم للمسجد معه ليبيّن جواز ذلك ومشروعيته لأمته، وكذلك كان يفعل صحابته ونساؤهم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين مِن غير تخصيص: أكان هؤلاء الصبيان صغارًا أم كبارًا، ذكورًا أم إناثًا، رضعًا أم قد بلغوا الفطام.
هذا ما كان عليه أمرهم في هذا الشأن، فمَن ادعى ورَامَ خلافه رغبةً بتنظيف المساجد وزيادةّ في الخشوع أو غير ذلك مِن الحجج الواهية فهو جهولٌ مغرور يظنّ نفسه أحرص على الخشوع مِن خاتم المرسلين صلوات الله وسلامه عليه الذي كان هديه خير الهدى في هذا الشأن، وفي غيره مِن شأن، وهو القائل مُذكّرًا العاقلين منبهًا الغافلين الذين قد يتمادى بهم العُجْب والكبْر وينسون أنفسهم فيستحسنون أفهامهم وآراءهم الناقصة السقيمة ويقدمونها على أمره وقوله وهو لا ينطق عن الهوى قال:
«وَخَيْرُ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم» [2] .
(1) فائدة: يُستحب عند الدعاء للغير، البدء بالنفس لما رواه الطبراني عن أبي أيوب أنّه صلى الله عليه وسلم: «كَانَ إِذَا دَعَا بَدَأَ بِنَفْسِهِ» وكذلك ما رواه أبو داود وغيره عن أُبيّ أنّه صلى الله عليه وسلم: «كَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا فَدَعَا لَهُ بَدَأَ بِنَفْسِهِ» وورد عنه صلى الله عليه وسلم أنّه دعا لغيره دون أنْ يذكر نفسه، لذلك نقل المناوي في «الفيض» عن ابن حجر أنّه قال: «ابتداؤه بنفسه في الدعاء غير مُطّرد فقد دعا لبعض الأنبياء فلم يبدأ بنفسه فقال: (( رَحِمَ اللهُ لُوطًا .. ) )، (( رَحِمَ اللهُ يُوسُفَ .. ) )، ودعا لابن عباس بقوله: (( اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ... ) )، ودعا لحسان بقوله: (( اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ ) )» اهـ (5/ 133) .
ولكنّ المستحب كما قلنا هو ما جاء في الحديثَين المذكورَين وهو أنْ يبدأ بنفسه لأنّ الحديثَين يشيران إلى غالب فعل النبي صلى الله عليه وسلم .. وهو كما قال في «الفيض» : «أخلص في الاضطرار، وذلك سنة الأنبياء والرسل .. قال نوح: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا ... } الآية، وقال الخليل: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ .. } ، وقال أيضًا: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي .. } وقد قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} اهـ (5/ 133) .
قلت: وقد أمر الله عز وجل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ... } ، الآية (19) مِن سورة محمد صلى الله عليه وسلم.
(2) رواه مسلم، وهو جزء مِن خطبة الحاجة.