فبعد أنْ كان المسجد كذلك .. أصبحت لا تفرق بينه وبين الكنائس إلا قليلًا ..
-فبعد أنْ كان بناؤه مِن جريد النخل ... أصبح يُتفنّن ببنائه غاية التفنُّن، وتُنفق عليه جبال مِن الأموال يكفي بعضها .. بل القليل منها لإطعام وإيواء كثير مِن المسلمين المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها ..
وليت الأمر وقف عند ذلك فحسب .. بل لا تكاد تجد في بلادنا مسجدًا إلّا وأُنفق على زخرفته وتلوينه وتحليته الكثير مِن الأموال .. ظَنًّا مِن الجهّال أنّ ذلك تعظيم لبيوت الله عز وجل .. أو تكريم لها .. وما دروا أنَّ ذلك مِن البدع التي ما كانت عند السلف وما فعلوها .. فكان مِن آثار ذلك إشغال المصلين وإذهاب خشوعهم .. فقلّما ترى خاشعًا .. [1] وقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه «نَهَى أَنْ يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي المَسَاجِدِ» رواه ابن حبان وغيره.
وصحّ في رواية للإمام أحمد أنّه الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ» .
قال المناوي رحمه الله تعالى في «الفيض» (6/ 417) : «أي في عمارتها ونقشها وتزويقها كفعل أهل الكتاب بكنائسهم وبيعهم» اهـ.
-وبعد أنْ كان يُفرش بالحصى وربما الحصير .. أصبح يُنفق على فرشه وسجاده الأموال الطائلة .. ويُتَفَنَّن في اختيار زخارفها وألوانها .. فكان مِن آثار ذلك، اندثار سنة الصلاة بالنِّعال .. إضافة إلى إشغال المصلين في صلاتهم بزخارفها ..
-وبعد أنْ كان يبقى مفتوحًا للعاكفين، والفقراء وطلبة العلم والرُّكَّع السجود .. حُدّد فتحه بأوقات الصلاة .. وأصبح حاله كحال دوائر الحكومة ومؤسساتها .. عليه أناس يتقاضون رواتب على الإمامة والأذان والتدريس وخدمة المسجد [2] ويؤمّون في الصلوات مَن ربّما كان أكثر منهم ورعًا وتقىً، وفقهًا وحفظًا .. ويُغلقون المسجد ويفتحونه ويتحكمون به كما يشاء ويرغب أسيادهم .. وكم رأينا أوراقًا علّقوها، وكتبوا عليها: (يُمنع البقاء في المسجد بعد نصف ساعة مِن الصلاة) ، فالله عز وجل يقول: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ ... } وهم يقولون: (يُمنع) .. فالله المستعان .. [3] .
ومِمّا يتفطر له القلب حسرة لجهل القائمين على المساجد -إلا مَن رحم الله- ما يُروى [4] أنّ مسلمًا سافر إلى إحدى البلاد، فزار فيها مع أولاده كنيسة أثرية فاستقبلهم القسّ القائم عليها بالابتسامة والترحاب، وأخذ يوزع قطع الحلوى على الأطفال، ليكسب قلوبهم .. ثم عندما حان وقت الصلاة ذهب هذا المسلم مع أولاده إلى مسجد لأداء الصلاة، فاستقبلهم القائم على ذلك المسجد، على بابه بالصراخ والزعيق بأنّ المسجد ليس ملعبًا أو روضة أو حضانة .. وموجّهًا أوامره لهم بنزع النعال وغير ذلك .. أعذنا الله مِن الجهل والجاهلين. [5]
(1) حتى تحقق فينا عيانًا ما أخبر به النبي بعث فيما رواه الإمام أحمد والطبراني في «الكبير» : «أَوَّلُ شَيْءٍ يُرْفَعُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ الخُشُوعُ، حَتَّى لَا تَكَادُ تَرَى خَاشِعًا» .
(2) وكل ذلك مما يُعمل للآخرة .. وقد جاء في الحديث الصحيح « ... وَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِعَمَلِ الآخِرَةِ لِلدُّنْيَا، فَلَيْسَ لَهُ فِي الآخِرَةِ نَصِيبٌ» رواه الإمام أحمد (4/ 133) والحاكم (4/ 311) وغيرهما ..
(3) نقل محمد جمال الدين القاسمي في «إصلاح المساجد» عن التاج السبكي قوله: «وما يفعله بعض البوابين مِن غلق الباب في وقت معلوم مِن الليل إمّا بعد العشاء الآخرة أو في وقت آخر بحيث إذا جاء أحد السكان أو المريدين للصلاة لا يفتح له، غير جائز» اهـ في (باب واجباب بوّاب المسجد) ... (ص 231) .
(4) كنتُ قد كتبتُ القصة مِن ذاكرتي حيث لم أكن ساعة إذ أذكر الموضع الذي قرأتها فيه إلى أنْ نظرت في كتاب الشيخ خير الدين وانلي وكان ذلك بعد الانتهاء مِن الرسالة تقريبًا. حيث هناك أصلها.
(5) ومِن جهالاتهم هذه أيضًا، منعهم للناس مِن مسافرين أو فقراء أو غيرهم مِن المبيت في المساجد، بحجة أنّ المسجد ليس بمكان للنوم أو فندق .. حتى تجرأ بعض أسلافهم وتعرضوا في ذلك لإمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في ليلة مطيرة جدًا .. وإليك القصة مختصرة مِن كتاب «مناقب الإمام أحمد» لابن الجوزي (ص 380) قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: «لَمّا أطلق أبي مِن المحنة، خشي أنْ يجيء إليه إسحاق بن راهويه -فرحل أبي إليه، فلمّا بلغ الري دخل إلى مسجد، فجاء مطر كأفواه القرب، فلمّا كانت العتمة قالوا له: اخرج مِن المسجد فإنّا نريد أنْ نغلقه، فقال لهم: هذا مسجد الله وأنا عبد الله، فقيل له: أيّما أحب إليك؛ أنْ تخرج أو نجرّك برجليك؟ قال أحمد: فقلت سلامًا، فخرجت مِن المسجد والمطر والرعد والبرق فلا أدري أين أضع رجلي ولا أين أتوجّه، فإذا رجل قد خرج مِن داره، فقال لي: يا هذا، أين تمرّ في هذا الوقت؟ فقلت: لا أدري أين أمر؟ فقال لي: ادخل، فأدخلني دارًا ونزع ثيابي وأعطوني ثيابًا جافّةً وتطهّرت للصلاة، فدخلت إلى بيت فيه كانون فحم ولبود ومائدة منصوبة، فقيل لي: كلْ! فأكلت معهم، فقال لي: مِن أين أنت؟ قلت: أنا مِن بغداد، فقال لي: تعرف رجلًا يُقال له أحمد بن حنبل؟ فقلت: أنا أحمد بن حنبل. فقال لي: وأنا إسحاق بن راهويه.
(تنبيه) : قال الذهبي في «السير» (11/ 321) : «حكاية موضوعة» .