وأفراخهم النصارى، وتلاميذ أفراخهم، أو تلاميذ الجميع مِن أصحاب المبادئ العصبية والمذاهب المادية الذين يقيمون حكمًا علمانيًا يتبجحون فيه بالحرية، حرية الفساد والإفساد.
فأمّا حرية الدين فلا، حيث قيدوا أهل المساجد بِما يريدون، فلا يقدر أحد أنْ يشرح لجماعته التوحيد شرحًا وافيًا صحيحًا حسب ملة إبراهيم مِن الحب والولاء والبغض والبراء، ولا أنْ يقرأ الآيات الواردة في ذلك ويفسّرها حتى على ظاهرها، فهذا يكون مشاغبًا أو طائفيًا أو غير ذلك مِمّا لا نحب ذكره. فهذا مِن جملة الخراب المعنوي الذي هو أفتك مِن الخراب الحسي» اهـ.
? والمسجد كان في خير القرون، يُؤَسَّسُ على التقوى .. ويُبْنَى باليسر لأنّ الأيدي التي كانت تتولى بناءه أيدٍ صادقة مجاهدة .. فكان المسجد:
-مكانًا لعبادة الله عز وجل بذكره سبحانه، وتلاوة كتابه والصلاة والاعتكاف ..
-ومكانًا لعبادة الله عز وجل بالدعوة إليه، وتعليم الناس الخير .. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الصبيان ..
-ومكانًا لعبادة الله عز وجل بإعداد الجيوش للقتال في سبيله، وحثّ الناس على الجهاد والغزو .. حتى كان الأسير يُؤتى به فيُرْبَط في سواري المسجد .. [1] .. ويُؤوى إليه المرضى وجرحى الجهاد ليعينهم ويعودهم إخوانهم [2] .
بل إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أذن بتعلّم القتال وفنونه داخل المسجد كما جاء في الحديث المتفق عليه حيث أذن للحبشة لعبهم بالحراب في المسجد ..
قال المناوي (3/ 351) : «واللعب بالحراب ليس لعبًا مجرّدًا [3] بل فيه تدريب الشجعان على مواقع الحروب والاستعداد للعدو» [4] .
-وكان المسجد مكانًا يأوي إليه الفقراء والمساكين وابن السبيل وغيرهم ب
وخلاصة القول أنّ المسجد في زمانهم كما قال المهلب: « .. موضوع لأمر جماعة المسلمين فما كان مِن الأعمال مجمع الدين وأهله جاز فيه .. » اهـ [5] .
? أما اليوم .. فقد تغيّرت أحوال المساجد كثيرًا ..
(1) ربط الأسير في المسجد يدل عليه ما رواه البخاري في كتاب الصلاة (باب: الاغتسال إذا أسلم، وربط الأسير أيضًا في المسجد ... ) (1/ 555 مِن الفتح) عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم بعث خيلًا قبل نجد، فجاءت برجل مِن بني حنيفة يقال له ثمامة بن أُثال، فربطوه بسارية مِن سواري المسجد .. الحديث) وهو محل الشاهد .. وفي كتاب المغازي (8/ 87 مِن الفتح) أنّه مكث مربوطًا في سارية المسجد ثلاثة أيام .. واستثنى الشافعية مِن ذلك المسجد الحرام، ويؤيد مذهبهم قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ... } [التوبة: 28] .
(2) كما في حديث سعد بن معاذ في البخاري (1/ 556 مِن الفتح) باب: الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم.
(3) قلت: قد ثبت اللعب المجرّد في المسجد للصبيان مِن فعل الحسن والحسين على ظهر النبي بعث وهو ساجد في الصلاة .. كما سيأتي بيانه إنْ شاء الله تعالى.
(4) يراجع في ذلك أيضًا «مشكل الآثار» (1/ 118 - 119) ، و «نيل الأوطار» (6/ 134) .
(5) نقل عنه ذلك المناوي في «الفيض» (3/ 351) ، وبالطبع يُستثنى منه ما استثناه الشرع الحكيم، كالبيع والشراء وإنشاد الضالة وما إلى ذلك ...